الأرشيف

موبقات الاختلاط!

[جريدة القبس 23/9/2023]

لأن مطالب البعض بفصل الشُّعَب الدراسية داخل الحرم الجامعي هي أقرب إلى الفكاهة والطرفة في هذا الزمن، فقد وجد الكثيرون في التعليق الذي أرفقه المواطن هاني المواش، أحد نشطاء التواصل الاجتماعي، خير رد على مثل هذه المطالب الخارجة عن الدستور والمألوف والعقل والمنطق والزمن.
يبدأ المواطن هاني المواش تعليقه بأحد أوبريتات وزارة التربية، التي عادة ما يُحييها طلاب وطالبات مدارس الكويت في الأعياد الوطنية، مُعبّراً عن “أسفه” للبث كون الأوبريت مختلطاً! ثم يتساءل عما نستطيع أن نفعل لتجنّب موبقات الاختلاط في الطيارة مثلاً، مؤكداً أن البعض يُحلّل ما يرغب ويُحرّم ما لا يرغب، وأن الحَرَم الجامعي ليس صالة تزلج، بل قاعات تضم طلبة يتلقّون العلم تحت إشراف أساتذة محترمين، ثم يكرر سخريته على الموضوع بأسره، مشيراً إلى أن مسألة الاختلاط موجودة من الجاهلية ومن بعد الجاهلية.
حقيقة جاء المقطع الذي بثّه هاني المواش، بالرغم من طرافته، معبّراً وبشكل صحيح عن حقيقة الأهداف من وراء مطالبة البعض بفصل الشُّعَب الدراسية داخل الحرم الجامعي، في الوقت الذي يُشارِك فيه هؤلاء النواب قاعة عبدالله السالم في مجلس الأمة سيدات فاضلات، سواء كن نائبات أو وزيرات أو في أي منصب مسؤول داخل الحكومة أو المجلس.
لا نحتاج هنا إلى أن نستعرض كُلفة مثل هذا المقترح فنياً وأدبياً وأكاديمياً، فواقع الشُّعَب المُغلَقة والمتكررة في كل عام دراسي يختصر كل الحكاية، هذا بخلاف أن الأخلاق التي يدّعون أنهم حريصون عليها كانت على درجة أكبر إبان التعليم المشترك، طبعاً المعني بالأخلاق هنا ليست العلاقة بين الطالب والطالبة، وإنما معدّلات الغش والتحايل والغياب واستجداء الدرجات، والتعامل مع الأساتذة، ونظافة المرافق والالتزام بالتقويم الدراسي والحضور، والرعونة في قيادة المركبات، والطرح الطائفي والقبلي الذي طال كل شيء، من أرقام الشُّعَب الدراسية إلى الانتماء للحركة الطلابية، كل هذه المساوئ لم تعنِ يوماً شيئاً لهذا البعض من النواب بخلاف الفَصل في الشُّعَب الدراسية، فهذه المطالب بقيت أولوية بالنسبة لهم ومنذ التحرير، بالرغم مما كانت تُشكّله من إرباك للعمل الأكاديمي بشكل يُدرِكه أولئك العاملون في الحرم الجامعي.
يعلم النواب الأفاضل الذين يخدشهم جلوس الطالب في القاعة نفسها مع زميلته الطالبة، بينما لا يؤثّر فيهم اندماج الجنسين في السينما والمسرح والوزارات الحكومية، بل وحتى في الجامعات الخاصة التي تملك أغلبها تيارات الإسلام السياسي، يعلمون أن مطالبهم غير منطقية ولا قابلة للتطبيق، لكنهم لن يفرّطوا أبداً بمكسب طالما رأى فيه تيار الإسلام السياسي إحدى الركائز الأساسية في غزوه للوعي المجتمعي.
الاختلاط والحجاب ركيزتان أساسيتان لا يمكن أن يفرّط فيهما التيار الإسلامي المُسيّس والمستفيد، شأنه شأن أي حزب سياسي يبدأ أولاً بفرض الرداء الموحّد أو الرسمي، وبحيث كان هنالك فرق، بهدف التمييز بين حجاب الإخوان المسلمين وحجاب السلف مثلاً.
أما المضحك المبكي في المسألة كلها هنا، فهو في طرح قضية الجنسين في حقبة أصبح العالم فيها يعاني من تعدّد الأجناس، فهنالك المثليون، واللاأدريون، والمتحولون، والمتشبهون بالحيوانات، والراغبون في حجب هويتهم الجنسية، على اعتبار أنها شأن شخصي، يحدث هذا اليوم في العالم، وتعترف به أغلبية الدول، بل إن الأمم المتحدة خصّصت يوماً لكل هؤلاء.
العالم إذاً في مواجهة قضية حرجة، لكنها مشتركة تشمل كل الثقافات، وها هي الدول المحافظة تحاول أن تجد لها مخرجاً من هكذا واقع فرضه العالم القرية، في ظل كل هذا يكون الحديث عن الاختلاط حديثاً خارجاً عن العصر، وبعيداً كل البعد عن الهاجس البشري المشترك اليوم، الذي يصل إلى درجة الإعلان عن مصانع للأجنة البشرية.
موبقات الاختلاط قضية ذهنية بحتة، لا علاقة لها على الإطلاق بتواجد الشاب مع الشابة في مكان واحد، وإنما بأسباب أخرى قد يطول شرحها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى