الأرشيف

الجامعة اليتيمة

[جريدة القبس 5/4/1999]

أصدرت اللجنة السداسية لجمعية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الكويت بياناً أعربت فيه عن اعتراضها على نظام ترقيات أعضاء هيئة التدريس الجديد، والذي ترى فيه مخالفة للوائح والأعراف الجامعية، كما تطرق البيان كذلك لسلبيات الإجراءات المستخدمة لعملية تمويل ودعم البحث العلمي، وأيضاً للقرار الصادر مؤخراً بشأن تقليص مكافأة الفصل الصيفي!
ولا نريد هنا الخوض في تفاصيل البنود التي اعترض عليها البيان، حيث يمكن الرجوع إليه للوقوف على تلك التفاصيل، وإنما نود أن نقف عند قضية جوهرية تضمنها بيان اللجنة السداسية، تتعلق بآليات وقنوات صياغة القرار في الجامعة، وهي وإن كانت قضية شاملة لا تقتصر على الجامعة وحدها، إلا أنها ولا شك أكثر وضوحاً وعلانية في حالة الجامعة كمؤسسة أكاديمية تربوية رائدة تحمل على عاتقها بناء الفرد وتساهم في ترسيخ مفاهيم وقيم وطنية وتربوية.
بيان أعضاء هيئة التدريس أثار وركز في أكثر من موقع على انفراد الإدارة الجامعية بالرأي عند اتخاذ تلك القرارات موقع الاستياء، على الرغم من أنها قرارات هامة وحساسة، تمس الجسم الأكاديمي والإداري للجامعة بشكل عام!
يتناقض سلوك الإدارة الجامعية هنا مع النهج الديمقراطي السائد في الوطن، والذي يفترض أن يكون كذلك نهجاً ممارساً على مستوى الجامعة إدارياً وأكاديمياً! فمن قلب الحرم الجامعي تبدأ أولى خطوات الفرد في مشوار الديمقراطية وممارسة الرأي الحر، واحترام آراء الآخرين، وذلك من خلال الانتخابات الطلابية سواء على مستوى الاتحاد الوطني للطلبة، أو على مستوى جمعيات الكليات العلمية! وهو أمر لا شك يضاعف من حجم الانفراد الدكتاتوري في الرأي الذي تمارسه الإدارة الجامعية في طرحها لبعض القرارات! حيث تأتي الممارسة الجامعية هنا متناقضة بشكل واضح مع ما تروج له من فكر حر ديمقراطي وناضج!
اللجنة السداسية طرحت في بيانها هموم أعضاء الهيئة التعليمية في الجامعة! وطرحت معه كذلك همنا جميعاً في أن يستمر ذلك النهج الفردي في صناعة القرار الجامعي، وأن يبقى هو القاعدة في كل ما تطرحه الجامعة من قرارات وقوانين ونظم! خاصة أن القرارات المتعلقة بنظام الترقيات، وعملية تمويل البحث العلمي، ومكافأة الفصل الصيفي، كلها جاءت مفاجأة وبدون أن تعبر من قنوات صنع القرار المعتمدة في قانون الجامعة التي، وبكل أسف، أصبحت ذات صفة شكلية بحتة مع استمرار الإدارة الجامعية في مفاجآتها المتكررة، واختزالها لتلك القنوات!
يقول بيان اللجنة السداسية إن المسؤولين يتعذرون بعدم وجود اعتمادات مالية! والبيان يتساءل عن أولويات الإنفاق الجامعي، والتي تتشدد في حالة الترقيات، وتمويل البحث العلمي، بينما تبدي ليناً وتعاطفاً مع نظام المهمات العلمية للقياديين والذي يكافئ القيادي بإجازة للراحة والاستجمام لمدة عامين وبضعف المرتب الحالي، على الرغم من أنه غير ملزم بالقيام بأبحاث علمية!
وهنا يثير البيان جرحاً لا يتوقف عن النزف، مبعثه تلك الفوضى في الأولويات الجامعية، والتي تأتي كأول الأسباب وراء تدهور الجامعة أكاديمياً وإدارياً! والتي قيل حولها الكثير، وكتب الأكثر دون أن تطرأ أي محاولة جادة لإعادة ترتيب تلك الأولويات الجامعية! مما يجعل البيان، ويجعلنا جميعاً، نبحث عن أسباب خفية لذلك التجاهل الجامعي المطبق!
أحد تلك الأسباب الخفية يقول إن التشويه المستمر للجامعة، أكاديمياً وإدارياً يعود إلى الموافقة التي صدرت مؤخراً بالسماح بإنشاء جامعات أهلية، وإن بعض “المستثمرين” الأكاديميين العاملين في الجامعة الحالية، لا يرغبون في أن تكون الجامعة منافسة قوية قد تقف في وجه مشاريعهم التعليمية!
بيان اللجنة السداسية محزن ومؤسف في آن واحد، يلخص واقعنا التعليمي، ويشير إلى ضحالة قناعاتنا الديمقراطية بشكل عام، وهو بيان لا يخص هيئة التدريس الجامعية وحسب، وإنما ينالنا جميعاً، ويدعو كل المخلصين لأن يتكفلوا بانتشال الجامعة اليتيمة من براثن الانهيار نحو السفح!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى