الأرشيف

لجنة الحشمة الجامعية

[جريدة القبس 19/4/1999]

تتردد مؤخراً في الحرم الجامعي أخبار متضاربة حول اللجنة الجامعية لتحديد الزي “المحتشم”، خاصة بعد أن أكدت بعض الصحف المحلية على أن اللجنة المكونة من عميد شؤون الطلبة، بالإضافة إلى عضو من الأمانة العامة للجامعة، وآخر مسؤول قانوني، والثالث ممثل لاتحاد الطلبة قد أوشكت على الانتهاء من إعداد الضوابط الشاملة وفق الغاية التي تشكلت اللجنة من أجلها، وذلك تمهيداً لعرضها على مديرة الجامعة أو مجلس الجامعة لإقرارها.
يقال أيضاً إن اللجنة قد تعمل على إقرار زي محتشم يتعين على الطلبة الالتزام به لكي يتمكنوا من حضور محاضراتهم، ويشاع كذلك أن اللجنة قد أضافت بنداً جديداً إلى مادة العقوبات، ينص على التالي: “في حال تكرار المخالفة والإصرار عليها يحال المخالف إلى لجنة النظام الجامعي للفصل في الأمر”!
من المؤكد أن المقصود من وراء لجنة الاحتشام هو الطالبات، فعلى الرغم من محاولة توصيات اللجنة وأعضائها الالتزام بمبدأ المساواة في القوانين والعقوبات داخل الحرم الجامعي، إلا أنها على ما يبدو قد أخفقت في ذلك، بدليل أن التركيز على ضرورة الاحتشام كان من نصيب الطالبات لا الطلاب، حيث تقول المادة الثالثة والعشرون من لائحة “ضوابط اللباس الجامعي”، يحظر على الطالبات ارتداء اللباس غير المحتشم، ويعتبر اللباس غير محتشم إذا كان ضيقاً أو شفافاً أو قصيراً، ويقصد باللباس الضيق الذي يظهر تقاسيم الجسد بشكل لافت للنظر، ويقصد باللباس الشفاف الذي يمكن رؤية ما تحته من ملابس، ويقصد باللباس القصير الذي يصل إلى أطراف الركبة من الأدنى أو مفتوح الصدر أو مكشوف” (انتهى).
رحمك الله يا فرج فوده حين تحدثت يوماً معلقاً على “جدلية شكلية” أثارت حينها قضية الملابس الشرعية للاعبي كرة القدم، وهي لا تختلف كثيراً عن قضية اللباس الجامعي الشرعي الذي نحن بصدده الآن. يومها كتب فرج فوده معلقاً: “منذ أوائل القرن ونحن نلعب كرة قدم، أطربنا رفعت الفناجيلي، وأمتعنا أبوجريشة، وأسعدنا الخطيب، كانت عيوننا تتابع الكرة ولا أكثر، وظهرت الجماعات الظلامية، تابعنا الكرة وتابعوا أفخاذ اللاعبين، كنا نهتف: هذا لاعب فذ، وكانوا يهتفون: هذا لاعب فخذ، كنا نهتف باللاعب: اقذف الكرة في المرمى، أصبحوا يهتفون باللاعب: غط فخذك أيها الداعر. اكتشفنا فجأة أن فخذ اللاعب عورة وفتنة”.
ما يثير حقاً في لجنة الاحتشام الجامعية، ليس انتهاكها لحقوق الآخرين من طلاب وطالبات، ولا انتقاصها من وعي أسر هؤلاء وإدراكهم لما هو في صالح أبنائهم الطلاب والطالبات، ولا هو في أسلوبها العنيف القائم على مبدأ العصا لمن عصى، ولا هو في تلك الفوضى التي عصفت بالأداء الجامعي وجعلته يضع نهجاً كهذا في سلم أولوياته، وإنما ما يثير حقاً هو ذلك الحق الذي تدعيه اللجنة والذي يخولها مطلق الحرية في تحديد معايير “اللباس المحتشم”، خاصة أن الهيئة الخارجية، أو الملبس، قد كانت دائماً قضية جدلية ولا تزال، بل وحتى آية اللباس في سورة الأحزاب: Fﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِـيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِيـنَ يُدۡنِيـنَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَـىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩ﵞ ﵝالأَحۡزَاب : ﵙﵕﵜ F.
قد اختلفت الاجتهادات حولها بين كونها آية تعليم وليست تشريعاً، أما الجلباب فقد جاء من كلمة “جلب”، وهو فعل ذو أصلين في اللسان العربي: أحدهما الاتيان بالشيء من موضع إلى موضع، والآخر الشيء يغشى أو يعطي شيئاً آخر.
يقال إن لمشروع الحشمة هذا جذوراً ممتدة إلى فشل بعض أعضاء مجلس الأمة بتحقيق رغبته في فصل الطلبة في الجامعة ومنع الاختلاط، وأن مشروع الحشمة يأتي بمثابة ترضية لهم يتسلحون بها في مواجهة ناخبيهم في معركتهم الانتخابية التي تأتي مع دخول العالم المتحضر ألفيته الثالثة، وإذا كان من حق هؤلاء النواب التسلح بكل وسائل اللعب السياسي الانتخابي، فإنه ليس من حقهم الامتداد بطموحاتهم السياسية إلى حلبة الحرم الجامعي، كما أنه ليس من حق الإدارة الجامعية أن تتيح لهم فرصاً كهذه، خاصة أنها لا تتوقف عن التذمر من عدم استقلاليتها وتسييس برامجها وأهدافها الأكاديمية.
لجنة الحشمة الجامعية مرفوضة، لأنها أولاً تتعارض مع دستور الدولة الذي لم يشر إطلاقاً إلى أسلوب الملبس، وثانياً، لأنها تتعارض مع ما تمثله الجامعة من كونها منبراً للحرية والبحث والموضوعية، وثالثاً، لكونها باباً مفتوحاً يجعل من الحرم الجامعي ملكاً مشاعاً لكل ذي غاية أو هدف متدثراً بحجة الحفاظ على الحشمة في الجامعة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى