الأرشيف

هاجس اللا اختلاط!!

[جريدة الطليعة 14 - 20 /6/2000]

يعتبر هاجس التعليم من أكثر الهواجس التي تقلق المواطن والدولة. ويحتل التعليم العالي بالتحديد حيزاً كبيراً من هم المواطن وقلقه خاصة مع تكدس الطلبة في طوابير طويلة أمام الجامعة والمعاهد العليا!! لذلك فقد بدأ مجلس الأمة مؤخراً بالإصرار على ضرورة التعديل بإقرار المشروع بقانون بشأن إنشاء الجامعات الخاصة لاستيعاب مخرجات التعليم الثانوي التي لا تستطيع جامعة الكويت والمعاهد التطبيقية استيعابها!! وإذا كان إقرار مثل هذا القانون يشكل تحدياً أمام المجلس ونوابه، فإن التحديات الأكبر ستأتي من خلال حماية التعليم وقوانينه من أطروحات البعض الساذجة والسطحية التي تتناقض بشكل صارخ ومؤسف مع كل ما يمثله العلم والتعليم من انطلاق بلا حدود وتجرد غير مشروط ولا مقيد!!
تعود الدعوة القديمة لتطبيق قانون منع الاختلاط في الجامعة لتتصدر دائماً كل حدث وكل نقاش في التعليم ومؤسساته!! ولا نستثني من ذلك النقاش البرلماني حول قانون الجامعات الخاصة!! حيث هدد بعض النواب وزير التربية بالمساءلة السياسية إذا لم يطبق منع الاختلاط قبل قانون الجامعات الخاصة!! كما أصر البعض أيضاً على ضرورة أن يمنع الوزير الاختلاط في المدارس، وإذا عجز عن ذلك فعليه أن يرحل من موقعه!! وأيضاً انتهز جمع من البعض هذه الفرصة لممارسة “هواية” الاستجواب والتطبيل من خلالها لجمهور الناخبين، والتلويح لوزير التربية بالمساءلة السياسية عن “منع الاختلاط”، قد يكون من حق هؤلاء “التمتع” بحقوقهم أياً كان حجم تطرفها وشذوذها، ولكن ليس من حقهم على الإطلاق تجميد قضايا تعليمية وتربوية ملحة كالجامعات والمدارس الخاصة وذلك في سبيل الحصول عى تلك الحقوق، فمن حقهم – ولا شك – أن يتمتعوا بجامعة “أنثوية” وأخرى “ذكورية” وأن يطالبوا بإنشائها أو بالتصريح بها!! لكن ليس من حقهم أن يعمموا ذلك الفصل على كل الجامعات حكومية كانت أم أهلية!! وهو ما أصبح يبوح به ويوحي إليه نواب التيار الإسلامي المسيّس الذي حذر وزير التربية من نية عدم احترام الثقافة والهوية الإسلامية، وبث أفكار سياسية معينة من الخارج متهماً وزير التربية بالعجز عن السيطرة على المدارس الخاصة، فكيف يمكنه السيطرة على الجامعات الخاصة!!
لقد أثبتت تجربة المدارس الخاصة في الكويت وكما هو الحال في أي بلد آخر، قدرتها على استيعاب توجهات عديدة ومتباينة!! ونجحت المدارس الخاصة في إفساح المجال أمام الراغبين في التمتع بظروف دراسية معينة سواء كانت من الناحية الأكاديمية أو الاجتماعية!! فهناك مدارس مختلطة وأخرى منفصلة، وهناك مدارس لجاليات معينة، وطوائف محددة كما أن هناك مدارس بمناهج خاصة بعضها يتبع سياسة منهجية بتكثيف ساعات الدروس الدينية والشرعية، أو بإلغاء أنشطة مدرسية كالموسيقى والتربية البدنية!! أو باعتماد لغات معينة، وهكذا تطرح المدارس الخاصة نفسها ليختار الطالب ما يتفق منها مع إمكانياته وتطلعاته!!
ولا نتصور بأن يكون ذلك الواقع غائباً عن ذهن تيارات الإسلام السياسي أو عن أي من الذين يقلقهم أمر الاختلاط والتعليم المشترك لأنهم يمتلكون مدارس كثيرة يطبقون من خلالها قوانينهم وتصوراتهم لأولويات وأساسيات التعليم والتربية سواء جاء ذلك في المناهج المطروحة أو في السياسة التربوية بشكل عام!!
تسييس التعليم والتربية هي الحجة التي يرفعها دعاة اللااختلاط والرقابة المسبقة على أي جامعة أهلية تنشأ!! وهي حجة من يتحسس رأسه مقراً بفعلته!! فلم يسبق للتعليم أن امتزج بالسياسة وبالصورة التي نراها اليوم، ويعود الفضل في ذلك إلى تيارات الإسلام السياسي التي بالغت في استخدام التعليم كأداة هجوم في صراعها مع التيارات الليبرالية.
يستطيع هؤلاء أن يحققوا رغبتهم في اللاإختلاط من خلال إنشاء جامعة “للإناث” ولا نتصور أن تيارات الإسلام السياسي ينقصها المال لتحقيق ذلك لكن ما ينقصها فعلاً قليل من الموضوعية وكثير من التجرد في رسم أهدافها التعليمية والتربوية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى