
التعليم كان وسيبقى همنا الأول، وهاجسنا الأكبر، فلا حاضر بلا تعليم، ولا مستقبل بلا تعليم، بل ولا دولة بلا تعليم.
وعلى الرغم من إدراكنا جيداً لهذا الواقع، ولتلك الحقيقة إلا أننا لا نزال بلا خطط تعليمية هادفة نحو مستقبل أبعد من مجرد أشهر يتيمة تسبق العام الدراسي، والدليل على ذلك تكرار مشاكلنا التعليمية، وتصدرها كل عام أغلفة صحفنا وعناوينها الرئيسية.
فمع بداية كل عام دراسي تبدأ الشكاوى ذاتها في تكرار نفسها، وتعود معها أزمات المناهج والمعلمين وسعة الفصول لتحتل هاجساً أكبر في كل بيت، وكل مدرسة وكل إدارة وبالطبع، وكالعادة تبرز الجامعة لتحتل الحصة الأكبر من أزمات التعليم ومشاكله في هذا الوطن أزمة القبول والسعة المكانية والأكاديمية للجامعة، أصبحت كالغول الشرس الذي يلتهم كل عام أحلام أبنائنا ومقدرات وقدرات الجامعة إدارياً وأكاديمياً.
ومع كل عام دراسي جديد تتضاعف الحاجة إلى جامعات، خاصة وأهلية أو حتى نصف حكومية لكي تتحمل بعضاً من العبء الثقيل الذي أصبحت جامعة الكويت تئن تحته ويتأكد معه الجميع من أن أسلوب التسويف الذي يمارسه البعض في إقرار إنشاء جامعات خاصة هو أسلوب أناني يفتقد أدنى درجات الإحساس بالمسؤولية والوطنية، والتسويف الذي نحن بصدده هنا لا يتعلق بالسماح بإنشاء أو إقامة الجامعات الخاصة، وإنما هو تسويف غير مباشر، وذلك من خلال الإصرار على إقحام قضايا هامشية ليست في جوهر التعليم والتدريس كقضايا الاختلاط، وإنشاء الجامعات المنفصلة، خاصة بعد أن صرفت مثل هذه الشروط التعجيزية والهامشية الأنظار عن إقامة مشاريع تعليمية استثمارية في الكويت، حيث تحول أصحاب تلك المشاريع إلى دول مجاورة، مما دفع الكثير من الأهالي إلى إرسال أبنائهم لتلقي التعليم في دول كانت الكويت منارتها التعليمية والعلمية في ما مضى من زمن وتاريخ.
لقد أصبح التعليم في العالم كله سلعة تفوق في إيراداتها أي سلعة أخرى، وأصبحت الدول تتنافس فيما بينها على استضافة معاهد أو جامعات أو أي مؤسسات تعليمية أو تثقيفية، والفائز في ذلك التنافس هو دائماً الأقل شروطاً والأسهل استقبالاً، شأنه في ذلك شأن أي تنافس اقتصادي أو تجاري آخر، كلما توافرت التسهيلات زادت الفرص وتضاعفت، وبما أننا في هذا الوطن قد أصبحنا منهمكين ومشغولين في البحث عن منافذ لتفعيل العجلة الاقتصادية، وتحريكها إلى الأمام وفتح الأبواب والتسهيلات أمام المستثمر الأجنبي، فإننا كذلك مطالبون بطرح التسهيلات ذاتها أمام الجامعات الأهلية، ولا نتصور أن شروط الفصل واللا اختلاط تحمل أي قدر من التسهيلات أو أدنى حد من الترحيب.
أزمة القبول في الجامعة ستبقى مشكلة موسمية تطل برأسها مع بداية كل عام دراسي جديد، وما يتوفر الآن من حلول ترقيعية لهذه المشكلة سيشح مستقبلاً وينضب، وسنجد أنفسنا جميعاً في مواجهة مشكلة بلا حل ولا مخرج، يكون الضحية فيها مستقبل التعليم في هذا الوطن، وأخشى ما نخشاه أن نضطر حينها للقبول بأي شيء بعد أن نكون قد فوتنا كل الفرص وكل العروض.
إن الشروع في استقبال جامعات أهلية أصبح اليوم حاجة وضرورة، وليس “برستيجاً” ورفاهية فقط، ولن يكون ذلك ممكناً طالما تمسك البعض بقضية الفصل واللا اختلاط كشرط لاستقبال أو لإنشاء أي جامعة، فهل نطمح إلى المزيد من العقلانية بما يتعلق بمسألة كهذه، بالإضافة إلى طموحاتنا بالكثير والكثير من الواقعية والعملية في فرض شروطنا ومتطلباتنا؟! تساؤل طموح في انتظار مبادرة لحسم هذه القضية المعلقة.
