الأرشيف

بروسترويكا العلوم الإدارية

[جريدة القبس 18/3/2001]

استعرضت، وعبر مقالتين منفصلتين، تفاصيل وأبعاد الأزمة التي تمر بها كلية العلوم الإدارية والجدل الذي يدور الآن حول أسلوب وطريقة النهوض بها وبطلبتها وتحدثت مسبقاً عن المدخل التقويمي الذي رأى فيه عميد الكلية بداية قد تكون مثمرة لمزيد من التطوير والتحديث لهذه الكلية الفتية.
وإذا كنت قد استرسلت في الحديث عن مركز اللغات وعن وحدة اللغة الإنكليزية التابعة للمركز والعاملة في كلية العلوم الإدارية، فذلك لأن بداية العميد الإصلاحية كانت من هنا، وإذا كنت قد خالفت السيد العميد في رؤيته (اللغوية)، فالسبب يعود إلى اختلاف جذري بيننا لأسباب تراجع هذه الكلية. فالعميد يصر على أن تطوير برامج اللغة الإنكليزية بصورة صارمة سيساهم وبصورة مباشرة في تطوير الأداء في الكلية، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للاستعانة بالمراجع والمؤلفات التخصصية والصادرة باللغة الإنكليزية وفقاً لشروط سوق العمل، بالإضافة إلى أن هذه اللغة قد أصبحت دستور المتعاملين وجوازهم في مجال الاقتصاد والمال والإدارة التي هي من أبرز تخصصات كلية العلوم الإدارية! بينما أرى وكأستاذة لغة إنكليزية أن تطوير اللغة هو نتاج عملية تراكمية لا يمكن أن تنجزها قرارات فجائية أو منعزلة عن السياق التعليمي العام، خاصة أننا بصدد جامعة حكومية تخضع لضغوط مختلفة وتفتقد استقلالية المؤسسات التعليمية الخاصة! وقد حدث ذلك بالفعل مع بداية العمل في كلية العلوم الإدارية، حين بدأت الضغوط على وحدة اللغة الإنكليزية لتخفيض نسبة القبول من ٪70 إلى ٪60 بسبب عجز أغلب الطلبة المتقدمين عن اجتياز اختبار المستوى في اللغة.
إذاً، الاختلاف ليس حول الهدف وإنما في أدواته وقنوات تحقيقه! خاصة أن مدرسي اللغة سيكونون من أكثر المستفيدين من تطوير برامج اللغة الإنكليزية لأنهم أكثر من يعاني من قضية ضعف الطلبة في الإنكليزية وليس أساتذة المواد التخصصية لأنهم لا يستخدمونها بشكل مباشر في محاضراتهم!
هنالك بالفعل مداخل عديدة لتحديث وتطوير العمل والأداء في كلية العلوم الإدارية للمهتمين بذلك أهمها على الإطلاق أن الكلية أصبحت تحتضن تخصصات ثانوية لا علاقة مباشرة لها بهذه الكلية كقسم الإحصاء مثلاً وقسم الطرق الكمية وقسم نظم المعلومات وقسم بحوث العمليات التي تعتبر أقساماً طارئة وخارجة عن بناء وتركيبة الكلية الأساسيين! فهي أقسام خدماتية توفر خدمات للطلبة بإمكانهم الحصول عليها من مواقعها الصحيحة ككلية العلوم مثلاً، والتي بالفعل تحتضن مثل هذه الأقسام مما ينفي الحاجة إلى تكرارها في العلوم الإدارية، وباستطاعة الطلبة التسجيل في تلك التخصصات عند الكلية المعنية دون الحاجة إلى فتح أقسام خاصة بها في العلوم الإدارية!
وقد أدى ذلك إلى ارتجال سيئ في تشكيل بعض الأقسام، كقسم الطرق الكمية ونظم المعلومات الذي يتكون أساساً من مجموعة تخصصات مدموجة بشكل استثنائي مختلق كقسم خدمي لا رئيسي، وتتكرر الحالة أيضاً في قسم بحوث العمليات.
وبالتأكيد، فقد كان لتلك الفوضى انعكاساتها المباشرة على الجامعة بشكل عام والكلية بشكل خاص، حيث يتم نزف طاقة ووقت وجهد ما يزيد عن خمسة عشر أستاذاً يؤدون خدمات ثانوية وينحصر تدريسهم في مبادئ علمية وغير تخصصية مع ما يعنيه ذلك من إهدار وعدم استثمار جيد ومدروس لتلك الطاقات الثمينة من أساتذة الكلية الأفاضل! وتلك بحد ذاتها قضية تدركها الإدارة الجامعية التي سبق وأن أصدرت قراراً في السابق بنقل تلك الأقسام إلى كلياتها الصحيحة، لكنها عادت للظهور مع تزايد الاستثناءات وارتفاع عدد المعينين في تلك الأقسام!
ذلك كان ملخصاً سريعاً وخاطفاً للوضع القائم الآن في كلية العلوم الإدارية، وتلك كانت نبذة مختصرة عن أولويات الإصلاح والتطوير والتحديث التي يبدو أن الخبراء قد أخفقوا فيها، وأخطأها الخبراء المخضرمون من قطاعات العمل المختلفة، وسقطت من توصيات مجلس كلية العلوم الإدارية، ممن استعان بهم المدافعون عن إصلاح وتطوير وتحديث الكلية.
لا شك في أن كل تحديث وتطوير لكلية العلوم الإدارية أو لغيرها يعتبر تحديثاً وتطويراً للمجتمع، لأن التعليم الجيد يبني مجتمعاً جيداً، ولأن الطلبة هم في نهاية الأمر أبناؤنا! لذا، فإن الاختلاف ليس حول الحاجة إلى ذلك التطوير وإنما هو في أدوات وسبل تحقيقه، والتي يبدو أن عميد كلية العلوم الإدارية لم يحسن انتقاءها، فالحاجة إلى غربلة وحدة اللغة الإنكليزية وبرامجها، تستدعي أولاً غربلة مشابهة لأقسام وتخصصات طارئة على كلية العلوم الإدارية، بمعنى آخر، نحن بالفعل بحاجة إلى “بروسترويكا” في العلوم الإدارية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى