الأرشيف

دروس خصوصية برعاية الجامعة..

[جريدة الطليعة 3-9/11/1993]

الحديث عن الجامعة لا ينتهي.. والتدهور الأكاديمي والإداري لهذا الصرح التعليمي.. أصبح محط نقاش الجميع في هذا الوطن.. سواء من أكاديميين مشرفين على العملية التعليمية.. أو من طلبة.. يتلقون العلم في الحرم الجامعي أو أولياء أمور.. تنعكس مشاكل الجامعة مباشرة على سير أمورهم الحياتية.
وأهمية الجامعة تكمن في كونها آخر مراحل النضوج التعليمي بالنسبة للطالب في هذا الوطن. خاصة وإننا في مجتمع ينقطع فيه اتصال الفرد بالتعليم حال مغادرته الجامعة… فنحن لا نزال بعيدين عن التعامل الجدي فيما يختص بالدورات التخصصية والتدريبية والتي من شأنها إثراء المهارات الفردية في المجال العملي والوظيفي.. وكما هو الحال في المجتمعات الأخرى.
وعلى الرغم مما تعانيه الجامعة من تدهور أكاديمي.. تعود جذوره إلى الخلل في العملية التعليمية إجمالاً.. إلا أن الصراع الإداري في الآونة الأخيرة. قد طغت آثاره السلبية على كل السلبيات الأكاديمية.
بل ولا يخفى على أي متتبع لمسار الجامعة. انعكاس ذلك الصراع الإداري المتمثل في توزيع الألقاب والمناصب الإدارية.. انعكاسه مباشرة على دور الجامعة التعليمي.. ودورها في الإشراف على استمرارية التعليم خارج أسوار الحرم الجامعي. ولنا مع ذلك الدور وقفة.
نعلم جيداً أن قوانين وزارة التربية صريحة.. وواضحة فيما يخص قيام المدرس التابع للوزارة بإعطاء دروس خصوصية مقابل أجر.. وحيث تمنع الوزارة بعض المدرسين الراغبين في تحسين مواردهم المالية من مزاولة أي تعليم خاص لأسباب أقلها الحرص على عدم استنفاد طاقة العطاء التعليمية لدى المدرس، خاصة وأن الممارس لهذه المهنة يعي جيداً الجهد الذهني الكبير الذي تتطلبه عملية التعليم. فإذا كان الحال كذلك بالنسبة لمدرسي المراحل التعليمية المختلفة فإنه وبلا شك حال الأستاذ في الجامعة.. وحيث عدد الساعات مخفف مقارنة بمراحل التعليم الأخرى.. وذلك بقصد إعطاء الأستاذ في الجامعة وقتاً كافياً للبحث.. والمتابعة. إضافة إلى دوره في المساهمة في التعليم المستمر للمجتمع.. وذلك من خلال الدورات.. التي تعدها الكليات والمراكز في الجامعة.
دور الجامعة في التعليم المستمر وإقامة الدورات التدريبية والتعليمية أصبح من إحدى القضايا التي تصاعدت حدة التذمر والنقد بشأنها، سواء من حيث الأسلوب الذي تتم فيه عملية الإشراف والمتابعة، أو من حيث النتائج المطلوبة من وراء تلك الدورات.
ولكي تتضح الصورة أكثر لمن هم بعيدون عن مجال هذه الدورات.. فإن الكليات في الجامعة تنسق مع وزارات الدولة المختلفة على إقامة دورات تدريبية.. وبرامج دراسية لموظفيها، مثل دورة التوفل (Toefl)… والتي تعد الطالب للالتحاق بجامعات خارج أسوار الوطن، أو الدورات التي تقام بالتنسيق مع وزارة التربية للنظار والمدرسين.. أو دورات للحرس الوطني، وغير ذلك من دورات تشرف عليها الجامعة.. تلك الدورات وللأسف.. تجاوزت الهدف المرسوم لها.. وأصبحت كالدروس الخصوصية المحظورة على المدرس في وزارة التربية. وبالرغم من أن أحداً لا ينكر الحق في تلقي عائد مالي على أي جهد كان، إلا أن الوضع القائم الآن أصبح يحمل في إطاره تعدياً وتجاوزاً للأهداف الحقيقية من وراء إقامة تلك الدورات التعليمية. وبحيث أصبحت ملجأ لكل راغب في تحسين وضعه المالي. دون أن يكون هناك تحسن في وضع الطالب التعليمي في الدورة. هناك – بالطبع – استثناءات لا يصح تجاوزها لضمائر استطاعت التوفيق بين الكسب المادي والأداء الجاد والجيد، لكنها تبقى حالات لا يمكنها أن تخفف من سيطرة واقع التدهور العام في هذه الدورات.
عند الإعداد لأي دورة من دورات الجامعة الكثيرة.. تبدأ عملية الانتقاء.. والتي لا يخفى فيها طابع التنفيع، البعيد بالطبع كل البعد عن الأخلاق المهنية لمهنة التعليم بوجه عام، لكونها لا تنطلق من مفهوم الأفضل.. وإنما من منطلق الأقرب للقائم والمشرف على تنظيم الدورة.. وتلك مسألة تعزز بشكل واضح من الشكلية التي أصبحت أكثر ما يميز الحرم الجامعي.. إضافة إلى كونها بعيدة عن مفهوم الاحتراف والمهنية.
وبحيث أدت عملية التنفيع تلك، في بعض الأحيان، إلى ترشيح مدرس ما للمساهمة في أكثر من برنامج.. وفي وقت واحد.. وما يعنيه ذلك من ضرورة التواجد في أكثر من مكان خاصة في بعض المهام الإدارية المتصلة ببرنامج ما، وهو أمر مستحيل بالطبع ويصعب تصديقه في كل الأحوال.
عملية التقييم لتلك البرامج.. أيضاً بحاجة إلى إعادة نظر جدية.. فبالإضافة إلى أن أغلب البرامج تفتقد إلى مناهج مدروسة.. فإنها أيضاً لا تخضع لعمليات تقييم كالواجب توافرها عادة في أي نشاط تعليمي، خاصة وأن عملية التقييم تُعد من أسس البرامج التعليمية، وحيث يتم من خلالها تطوير المناهج المطروحة وتحسينها. فعلى الرغم من كل الشكاوى المستمرة من عدم الاستفادة.. والتي تثيرها شريحة كبيرة من الخاضعين لبرامج الجامعة.. إلا أن ذلك لم ينجح في إثارة جدية لمسألة التقييم.
التعليم مهنة من أرقى المهن الإنسانية.. تخضع أكثر ما تخضع لضمير المعلم.. كما هو الحال في مهنة التطبيب.. وإذا كانت الجامعة مرغمة بحكم دورها التعليمي في المجتمع على رعاية مثل تلك البرامج.. فالواجب أن تتم عملية الإعداد بشكل صحيح حتى لا يمتد تدهور المستوى الأكاديمي للجامعة إلى إدارات الدولة خارج الحرم الجامعي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى