الأرشيف

الجامعة.. من الداخل

[جريدة القبس 14/12/1993]

الحديث عن مشاكل جامعة الوطن.. هو بكل تأكيد حديث يطول ويتشعب.. أولاً لكونها في قمة الصرح التعليمي.. وثانياً… لأنها آخر مرحلة من مراحل تهذيب وتدريب وتقويم الفرد..
وتشعب قضايا الجامعة قد وصل إلى درجة مثيرة للانتباه.. بحيث لو أن أحداً أثار قضية ما في الجامعة، فإن تداعي القضايا الأخرى أمر مؤكد، نظراً لترابطها بطبيعة الحال أولاً.. ولحالة الأعياء والتردي الشديد التي أصبحت عليها الجامعة الآن ثانياً.
لا أتذكر جيداً تفاصيل تصريح وزير التربية في بداية توليه منصب القيادة العلمية في الوطن.. إلا أن شيئاً من حديثه.. قد وعد وبحماس منقطع النظير لم يخل من التحدي والتهديد بالعودة عن قبوله منصب القيادة.. وعد بعزمه استصدار قرار نافذ بإنشاء مبان مستقلة ولائقة بالجامعة في فترة لا تزيد عن العامين.. منذ بداية توليه مسؤولية الوزارة.
وعلى الرغم من أن مشاكل الجامعة لا تنحصر في رداءة المباني.. وتباعدها الذي ولا شك يعرقل تحرك الطالب بين قاعات المباني المتناثرة.. وعلى الرغم من أن نوعية وكفاءة الأداء التعليمي.. ليستا مقترنتين بنوع ومكان التعليم.. فكما قال أحدهم يوماً.. إن جامعة “عين شمس” على تواضع مبناها هي ولا شك رائدة في أدائها التعليمي والتثقيفي.. وغيرها ولا شك كثير.. سواء في عالمنا العربي أو في غيره. نقول على الرغم من كل ذلك، إلا إننا كمواطنين، وكعاملين في الجامعة، وكأكاديميين، وكطلاب علم، لا نزال مأخوذين بالمبادرة، والحزم الذي أبداه الوزير التعليمي من خلال عزمه وضع حل نهائي للتشرذم المكاني الذي مضى عليه أكثر من ربع قرن!!
لعلّ المعضلة الإنشائية القائمة الآن، والتي تشكو منها الجامعة، هي في التبذير أو سوء الإنفاق الذي فاق أي تصور.. وبحيث أصبح حديث أغلب المعايشين والمراقبين للجامعة من الداخل..
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم تزويد الفصول الدراسية، وبصرف النظر عن حجمها وطاقتها الاستيعابية، تم تزويدها بأجهزة ميكروفونات دقيقة، قد يكون استخدامها حكيماً ولائقاً في قاعات جامعة القاهرة الشاسعة والمكتظة مثلاً!! وبحيث أن بعض الفصول التي لا يزيد استيعابها عن خمسة عشر طالباً.. تم تجهيزها بميكروفونات تفوق حجمها.. بل وجرى تكديس أجهزة لا تقل دقة بشكل عشوائي وبأعداد تفوق الطاقة الاستهلاكية.. وبحيث أصبح الكثير من الأقسام في الجامعة يشكو من مشاكل التخزين للفائض.. ويسعى إلى تصريفه لدى أقسام وكليات أخرى.. مثلما حدث في تصريف معامل اللغات الحديثة الصنع.. والفائقة التطور.. التي تم استقدامها دون دراسة لحاجة الأقسام العلمية لها. وتلك بالطبع واحدة من كثير من نتائج التجهيز العشوائي للجامعة.. وأقسامها فيما بعد التحرير.
قد يدافع البعض هنا.. أن ذلك التخبط في الانفاق ليس قصراً على الجامعة وحسب، فهو الأسلوب العشوائي ذاته الذي جرى من خلاله تجهيز الوطن في أعقاب دمار الاحتلال.. وتلك حقيقة بودنا لو أمكن تجاوزها.. إضافة إلى أن ذلك أمر بالإمكان تقبله لو أنه اقتصر على عشوائية التجهيز وجلب المعدات فقط. إلا أن الأمر قد تجاوز ذلك بكل تأكيد.. فالإهدار والتبذير غير المدروسين أصبحا أكثر ما يميز مباني وكليات الجامعة، حيث الأعمال قائمة على قدم وساق لتوسعة رقعة المباني الجامعية المؤقتة.. وبحيث يجري ترسيخ (المؤقت) على درجة كبيرة من الحماس.. وذلك بإحالة الشاليهات التي كانت قائمة لسنوات إلى مبان ثابتة وراسخة مهيأة لإبقاء الصفة المؤقتة للجامعة ومبانيها.. إلى ربع قرن آخر!!
ولو كانت جهود التوسعة والبناء تلك من نصيب الكليات الجامعية من مباني (ثانوية الشويخ سابقاً) لاستطعنا أن نتقبل الأمر بعض الشيء… خاصة وأن المساحة هناك تكفل عمليات التوسعة.. إضافة إلى إمكانية تبني الآراء القائلة بتهيئة مباني الشويخ لتكون مقراً دائماً لجامعة الوطن!! إلا أن ذلك لم يحدث.. فأكثر عمليات التوسعة نشاطاً هي في أقل المباني الجامعية استراتيجية من حيث الموقع.. وأعني بذلك مباني (الخالدية).. والتي تقع في قلب المساكن الخاصة.. وعلى أكثر الطرق ازدحاماً.. وحركة.
لا نعلم حقاً، إلى ماذا سيؤول مصير كل هذا الإعمار والبناء في حرم الجامعة.. وذلك في حال تحقق الحلم الأبدي لكل وزراء التربية الذين جلسوا فوق كرسي المسؤولية الوزارية.. حلمهم بوضع حجر أساس مبان لائقة لجامعة الوطن.. هل ستتحول هذه المباني بعد أن تستقر الجامعة في مبناها الدائم.. إلى مبان وقف لمن لا يزال في مرحلة (المؤقت) من باقي إدارات ووزارات الدولة؟!! وماذا سيحدث لو استقر كل في مبناه الدائم!! وانتهى عهد (المؤقت) في هذا الوطن؟! هل ستتم إزالة كل هذه المباني.. بدعوى أنها خارج مخطط الوطن المعماري.. وبحجة إنها أخطاء ناتجة عن سوء التخطيط؟ وكما جرت العادة؟! في الحقيقة لا نعلم!! لكن الذي نعيه ونفهمه جيداً، بل ويؤرق ضمير كل مواطن في هذا الوطن.. هو تساؤل ملح حول الجهة المخولة والمؤهلة حقاً للافتاء بشأن مثل هذه الحالات من الهدر وسوء الإنفاق؟! وإلى من تلجأ كي تكف حمى المناقصات التي تهدر ما تبقى من مقدرات الوطن؟!
ويبقى أخيراً السؤال الأكثر حضوراً في مثل هذه المأزق.. وهو سؤال حائر عن أسباب الصمت والهدوء التي تصبح من سمات الوزير الأولى بعد اعتلائه المنصب!! وبحيث تتراجع طموحاته حتى تتلاشى.. وتخفت حدة لاءاته واحتجاجاته ويذهب صداها؟؟ هل هي زحمة العمل.. أم ثقل المسؤولية؟! لا نعلم.. فكل الذي نعلمه أن الزمن له سرعة تلهث.. وإن العامين يوشكان على الانقضاء.. والقصد هنا – كما يقولون – “في بطن الشاعر”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى