الأرشيف

وانقسم الوطن.. إلى ديوانية وحرم

[جريدة الطليعة 12 - 18 /1/1994]

يطلق المفكرون والعلماء على عصرنا القادم صفة هي ولا شك مستقاة من التطور الذي أصبح عليه البشر.. لذا فإن العصر القادم لدى أولئك هو بكل تأكيد “عصر الإنسان” مقارنة بعصرنا الحاضر والذي هو عصر التكنولوجيا.. ثم ما سبق ذلك بمرحلة وهو عصر الأيديولوجيا.
وتلك صفة ولا شك تؤكد أهمية دور الإنسان.. على الرغم من كل عوامل التكنولوجيا الآلية.. بما فيها من كمبيوتر.. وأجهزة فائقة الدقة في إعداد وبرمجة المعلومات.. على الرغم من ذلك فإن كل ما يحيط بنا يؤكد استمرار الإنسان الآدمي في البقاء على دوره الأهم.. بل وفي المحاولات التي تمت لإحلال بديل للإنسان.. ظهرت دائماً المعوقات التي غالباً ما تقطع الطريق على فكرة إنهاء الدور الآدمي.. أو إحلال الآلة بدلاً عن العقل والجهد البشري.. حتى أن فكرة الرجل الآلة.. بقيت تراوح مكانها في مجال الخيال العلمي الذي لم يتعد مجال السينما.. والروايات الخيالية.. والإنسان بلا شك مصطلح يشمل الجنسين.. أي الذكر كما الأنثى.. أي المرأة والرجل معاً.. وذلك ما سيكون محور حديثنا هنا. طالما أننا الآن نعبر باتجاه ما اتفق على تسميته بعصر الإنسان.. فإن الدعوة قد باتت ملحة لبناء ذلك الإنسان بشقيه المؤنث والمذكر.. وإعداده لمجابهة ما هو قادم.. خاصة وأننا قد تراجعنا عن ذلك الإعداد الشامل لإنسان القرون المقبلة.. وبدأنا بالدخول في التفاصيل المملة.. والتي أصبحت ظاهرة.. وطاغية.. وبحاجة حقيقية وماسة إلى تدخل فوري من قبل الدولة بصفتها المنسقة والمنظمة للعلاقات التي تحكم المواطنين.. ونعني هنا المحاولة الحثيثة من قبل البعض لفصل المجتمع وتحويل الوطن إلى (ديوانية) و(حرم)!! خاصة وأن الأمر لم يعد مجرد رأي يحتفظ به من يراه ضرورة ويطبقه في محيطه الخاص.. بل لقد خرج من نطاق المحاولة إلى التطبيق الفعلي في أماكن عديدة من الوطن.. لم يستثن منها مكان عمل أو ساحة علم.. مثلاً في جامعة الوطن.. بدأ قرار الفصل بين الطالب والطالبة متواضعاً.. من خلال محاولات لإيهام البعض بمخاطر الاختلاط (الأخلاقية).. ومراعاة لذلك البعض تم تخصيص كلية جامعية للبنات.. وترك الأمر خياراً مفتوحاً لمن ترغب في الانغلاق.. ثم بدأ القرار يسري في كافتيريا الجامعة فأصبحت واحدة للطلبة وأخرى للطالبات.. إلى أن وصل إلى مكتبة الجامعة.. وتم تخصيص الأماكن المنفصلة للاطلاع والمذاكرة.. والغريب في الأمر هنا.. أن قرار الفصل مجهول الأبوين.. وأي محاولة للحصول على قرار خطي وكتابي موقع من مسؤول يوجب الفصل.. هي محاولة فاشلة.. مما يعني أن قرارات الفصل في الجامعة سواء في كافتيريا الطعام.. أو في مكتبة المذاكرة.. هي قرارات فردية.. تمشياً مع ضغوط.. أغلبها من خارج الحرم الجامعي.. وما يعنيه ذلك من حرج الجميع من الدخول في طابع العلاقة البشرية التي هي بعيدة كل البعد عن أسس البناء المجتمعي.
لا يهم الآن التصديق على قرارات الفصل في الجامعة والتي هي ولا شك تقف كنموذج مصغر للمجتمع المقبل.. إلا أن ما يهم هنا.. هو تلك الهوة السحيقة والتي هي آخذة في الاتساع بين الإنسان في هذا الوطن بشقيه الرجل والمرأة.
جيل الشباب الذي عاصر جامعة الوطن في السبعينيات لا شك يذكر جيداً نوع العلاقة الطلابية وصفاتها.. وعفوية الزمالة التي كانت قائمة.. والتي ولا شك يفتقدها الطالب والطالبة الآن.. بعد أن أصبح (الشيطان) مختبئاً ومترصداً في الكافتيريا والمكتبة وقاعة المحاضرة.
الفساد الذي يصر البعض على أنه تفاقم بسبب الاختلاط.. قد تزايد ولا شك الآن حتى مع منع الاختلاط.. وعلاقات الزمالة والدراسة أصبحت نادرة بسبب المبادرة دائماً بالسيئ من النوايا.. وتراجعت العلاقة بين الطالب والطالبة.. لتصبح كعلاقة الذئب بالحمل..
إن إلغاء العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة.. سواء في مجال العمل.. أو العلم.. ومحاولة فصل المجتمع بشقيه.. لا تعني حماية له من الفساد.. ولا هي أسلوب في الحد من انتشار (المعاصي والخطايا).. وإنما هي شجار غير مثمر مع ما تفرضه الطبيعة من حكم ونظام.
لعل السمة الوحيدة التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات.. هي بامتلاكه عقلاً يتيح له الفرصة في التعلم.. والتدرب.. وما يعينه ذلك بالطبع من مقدرة على تهذيب غرائزه.. وعواطفه.. لذا فقد استطاع الإنسان وحده دون سائر المخلوقات أن يبني مجتمعات وأن يتطور من خلالها.. وعملية الفصل بين الجنسين.. تعني ولا شك على الأقل من جانب المصرين على هذا المبدأ.. تعني عجز الإنسان عن توظيف قدراته العقلية والبشرية في عملية التهذيب تلك.
قضية الفصل في المجتمع.. وتقسيم الوطن إلى (ديوانية) و(حرم).. لم تعد قضية عابرة.. خاصة بعد أن امتد نفوذ الحريصين على تطبيقها إلى نواحي عديدة ومجالات كثيرة في المجتمع.. وبحيث أصبحت أي دعوة إلى إيقاف مثل هذا التوجه.. هي دعوة إباحية تدعو للفجور.. والفساد.. وأي تبنّ لهذه القضية يعد خروجاً عن الدين.. واستهتاراً بالقيم الإسلامية!!
لا شك أن الأمل من الحد من ذلك التطبيع المخالف لقوانين الطبيعة.. والذي تراجع بالإنسان عن دوره في قيادة التقدم المجتمعي.. إلى آفاق الحرية.. والنمو الدائم.. والعطاء المتواصل.. الأمل في ذلك أصبح أكبر.. خاصة بعد حساب التكلفة الاقتصادية التي أصبحت تفرضها محاولات كهذه.. هذا بالإضافة إلى الإنجازات التي أدركها الطرف الإنساني (العورة).. والتي لا تفترض الاختلاط مسبقاً وحسب.. وإنما كذلك الالتزام بأوامر النصف (الأعوج).. إلا إذا استطاع مخطط الفصل.. أن يتجاوز حدود الوطن.. ويفرض سفارات للرجال.. وأخرى للنساء!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى