
الحديث عن جامعة الوطن لا ينتهي… أولاً لما لها من مكانة علمية أكاديمية في المجتمع، وثانياً لكون الطالب في الجامعة قد وصل إلى مرحلة من النضج العمري والتعليمي تمكنه من الوقوف على السلبيات في المسيرة التعليمية والتربوية للجامعة، وثالثاً.. وهو بيت القصيد لاستمرار ذلك التدهور الأكاديمي والإداري.. والذي أصبحت انعكاساته واضحة خارج أسوار الحرم الجامعي.
حين تحدث التربويون، وغيرهم ممن يقلقهم واقع التعليم في هذا الوطن، عن سلبيات نظام المقررات المطبق في مراحل تعليمية كثيرة تسبق التعليم الجامعي، أرجعوا الكثير من أسباب العجز في نظام المقررات إلى مفاهيم ومعوقات مجتمعية، ما زالت تقف عقبة في سبيل الارتفاع بالتعليم إلى ما يجب أن يكون عليه، وأصبحت أكثر الشكاوى من نظام المقررات تعود إلى أسباب لا علاقة لها بالتعليم ولا بأصوله.. منها ما يتعلق بعلاقات اجتماعية، ومنها ما هو متعلق بنفوذ اقتصادي أو عائلي أو غير ذلك من أمور تخل ولا شك بالهدف من أي عملية تعليمية تربوية في أي بقعة من بقاع الدنيا.
على الرغم من مرحلة النضج والإحساس بالمسؤولية الواجب توفره في طالب وأستاذ الجامعة على حد سواء.. إلا أن معوقات التطبيق الصحيح لنظام المقررات في المراحل التعليمية الأولى، هي ذاتها معوقات النظام التعليمي الجامعي. وحتى تتضح الصورة أكثر لمن هم خارج الحرم الجامعي، وقضاياه ومشاكله، نسوق هنا مثالاً لإحدى المشاكل الجامعية ومعوقاتها الخارجة عن الإطار الأكاديمي والإداري للجامعة.
فمن المعروف أن نظام السحب والإضافة هو أحد الأسس التي يقوم عليها نظام المقررات. حيث يوفر النظام الفرصة للطالب بتسجيل 18 وحدة، أو ست مواد دراسية، ويستطيع أن يسحب إحداها. أي أن يستقر على 15 وحدة بدلاً من 18.. وذلك بعد موافقة المرشد العام، وهي مسألة سهلة ويسيرة. وليست كالانسحاب من مادة أخرى إضافية.. أي بالاستقرار على 12 وحدة فقط.. وهو أمر لا بد أن يتم بعد موافقة مساعد عميد الكلية للشؤون الطلابية.. مع توفر العذر المقبول لهذا الانسحاب.
في العام الدراسي الحالي، ونظراً لتأثير عمليات الانسحاب أحياناً على جداول الدراسة وتوزيع الساعات وقاعات المحاضرة.. كذلك لكون الانسحاب عملية أصبحت تخضع لمعايير وأمور كثيرة.. لا علاقة لها بالتنظيم الأكاديمي للجامعة… فقد قررت عمادة القبول والتسجيل وضع ضوابط على عملية الانسحاب.. وبحيث تكون فترة الانسحاب مقتصرة على أسبوع واحد فقط إلا أن حالة الهياج والاحتجاج من قبل الطلبة.. دفعت بالجامعة إلى التراجع عن مثل هذا القرار وتمديد فترة الانسحاب.. مع الالتزام بشيء من الروابط.
وبعيداً عن الجانب الفني والإداري لعملية الانسحاب هذه، فإن الملفت للنظر فيها والمقلق في آن واحد.. أن سهولة الانسحاب من 18 وحدة إلى 15 وحدة تجعل الطالب ولا شك يسجل 18 وحدة دائماً وبحيث يكون لديه مجال أوسع لحذف أي ثلاث وحدات لا تلائمه.. وقد يرى البعض في ذلك حقاً يوفره نظام المقررات للطالب.. إلا أن سوء استخدام ذلك الحق من قبل الطالب نفسه.. يفترض إحاطته بضوابط هي من حق الإدارة الجامعية ولا شك.. والتي تتحمل تكاليف فتح الشُّعَبْ وتخصيص القاعات والساعات الدراسية. ولعلّ حلاً أمثل لتنظيم عملية الانسحاب.. يبدأ في تقييد عملية الإضافة ذاتها، وبحيث يكون تسجيل الـ 18 وحدة حقاً لمن تتوافر لديهم شروط معينة كالمعدل العام مثلاً أو كون الطالب على عتبة التخرج.. وعند ذلك فقط يمكن تطبيق عملية الانسحاب وفقاً لما يبيحه نظام المقررات. أما أن تستمر العملية وفقاً لمعايير مزاجية، كعدم الرغبة في الاستيقاظ باكراً، وهو من أكثر الأعذار شيوعاً لدى الطلبة، أو لعدم توافر “الشروط الطلابية” في مدرس المادة.. من تساهل في إعطاء الدرجة والتقييم.. أو في التنازل عن ساعات الحضور والغياب.. فإن ذلك ولا شك فهم خاطئ للحرية التي يكفلها نظام المقررات.. خاصة أن أكثر الجامعات في العالم تفرض دفع رسوم محددة في حال الانسحاب من مادة ما!!
سوء استخدام الحرية في نظام المقررات لا يأتي من الطالب وحده وحسب، بل من أستاذ المادة كذلك.. وتلك ولا شك القضية الأكبر في مثل هذا النظام، خاصة وأن عملية الضبط في هذه الحالة.. لا بد وأن تكون ذاتية، وذلك للمسؤولية المفترض في الأستاذ أن يتحلى بها، فعلى الرغم من أن أستاذ المادة يخطر الإدارة بالطاقة الاستيعابية لمادته، وذلك في أثناء عملية الإرشاد، بحيث تتم عملية التسجيل الأولي وفقاً لتلك الطاقة، إلا أن كثيراً من الأساتذة، بقصد أو عن غير قصد، لا يكونون ملتزمين بما وفروه للإدارة من معلومات بشأن طاقة المقرر الاستيعابية.. وبحيث يتم تجاوز ذلك أثناء عملية السحب والإضافة.. وفقاً لمعايير شخصية في مكاتب الأساتذة أنفسهم!! يظلم فيها من يظلم من الطلبة الذين لا لقب لهم ولا عون.
وبينما يرى البعض في أن أستاذ المادة لا مانع لديه من تلك الإضافات إلى طاقته الاستيعابية، يرى البعض الآخر أن نظام المقررات يوفر له تحقيق تلك الرغبة في مرحلة الإرشاد، وذلك من خلال إعطائه مطلق الحرية في تحديد حجم الطلبة وعددهم في مقرره.
ذلك كان نموذجاً واحداً من نماذج الخلل في مسيرة التعليم الجامعي.. ولعلّ ما يدفع إلى الحديث عنها، كونها قضايا بالإمكان تداركها مع قليل من الوعي والتنظيم والرغبة في الإصلاح والتطوير، حتى لا نجد أنفسنا مضطرين إلى أن يدرج مقرر “الأساليب في مراوغة القوانين” ضمن ما تطرحه الجامعة من برامج دراسية!!
