
الحاجة ولا شك هي أم النشاط البشري أياً كان مصدره ونوعه… فالحاجة مهما كان منبعها هي التي دفعت بالبشرية إلى هذا التطور عبر التاريخ البشري الطويل، بل لقد أثبت علم الجينات الحديث أن الحاجة البشرية هي المسؤولة عن تغيرات بيولوجية كثيرة في الإنسان، حيث تقوم عملية الاختيار الطبيعي (Natural Section) على التنسيق مع العوامل الخارجية، المحيطة بالإنسان والحيوان.. لتأكيد أو إلغاء ملامح بشرية أو حيوانية معينة، الحاجة، والتي كانت ولا زالت أم الاختراع والدافع الأساسي وراء النشاط البشري، ما هي إلا مسمى بدائي للهدف، حيث يأتي الهدف ليصبح أباً للنشاط والحركة البشرية في عصرنا الحديث.
تحديد الهدف ولا شك في أي عملية أو نشاط بشري يسهل من ذلك النشاط وينظمه، بل ويقلل من الجهد والتكلفة المبذولة لأي عمل أو حركة.
عدم تحديد الهدف، سواء بسبب العجز أو الفشل أو عدم الاعتراف بأهمية تحديد الهدف أو لأي سبب آخر، وهو ما يجعل محاولات الإصلاح الكثيرة في هذا الوطن يكون مآلها واحداً من اثنين: إما تأجيل بسبب العجز أو الفشل.. وإما إلغاء بفعل طول الزمن ومضى الوقت!!
لقد اتسمت عمليات النقد للمسار التعليمي في هذا الوطن بكونه فاقداً لهدف محدد، وتلك قضية ولا شك انعكست على التعليم بكافة مجالاته وحقوقه.. وبحيث بدا حصادها مثلاً في سلوك الأفراد الذين كانوا خاضعين لها. سواء كان ذلك من حيث افتقادهم للهدف… أو سوء فهم وتعليل للهدف الأساسي من وراء التعليم والشهادة على وجه الخصوص، فشهادة الدكتوراه على سبيل المثال، والتي يخضع حاملها مسبقاً لفترة دراسة محددة، تنتهي بعملية تقييم.. يمنح أو لا يمنح على أساسها الفرد شهادة الدكتوراه. أصبحت بحاجة حقيقية لعملية تنظيم وتحديد ليس على المستوى التعليمي وإنما على المستوى الاجتماعي كذلك. فبينما هي في دول ومجتمعات أخرى تعتبر تصريحاً وترخيصاً بممارسة البحوث.. وإصدار الكتب والأبحاث.. والمساهمة في مسار الدولة التعليمي والتثقيفي. أصبحت لدينا في هذا الوطن.. خاتمة للعلم والثقافة.. ومحطة وصول واسترخاء من عناء البحث والدراسة، ذلك على المستوى التعليمي، أما على المستوى الاجتماعي، فقد أصبحت لقباً يفتح الطريق لقبول اجتماعي أكثر.. بينما هي على المستوى الوظيفي فرصة أكبر لعمل أفضل، أما على المستوى الاقتصادي فهي ولا شك راتب أعلى، حتى أن هنالك علاوة دكتوراه تمنح للحاصلين على الشهادة وحسب. بينما هي على المستوى الأكاديمي، جهد أقل وساعات تدريس أقصر.
الدكتوراه في جامعات ودول أخرى، هي نتيجة أبحاث لا تتوقف بمجرد الحصول على اللقب لذا فإن حاملها قد لا يكتسب شيئاً.. ما لم يستمر في مساهماته العلمية والأدبية.. وفي أبحاثه، والتدرج الوظيفي الأكاديمي.. مرتبط بصورة مباشرة بالإنجاز العلمي، وخاصة على مستوى البحث والنشر والتأليف؛ لذا فإنه من الأمور المألوفة جداً في تلك الجامعات.. أن نجد رئيساً لقسم علمي، أو حتى مديراً لجامعة بأكملها دون أن يسبق اسمه لقب “دكتور”!! فقد جاء المنصب الأكاديمي نتيجة للأبحاث والإصدارات، قبل أن يكون بسبب الدكتوراه. بينما ينقلب الوضع لدينا في هذا الوطن.. لتصبح شهادة الدكتوراه خاتمة للبحث والدراسة!!
قد لا يكون من العدل والإنصاف تعميم ما سبق ذكره إلا أن ذلك المفهوم وللأسف الشديد قد أصبح مسيطراً على واقع الوطن الأكاديمي، ولعلَّ أسرة جامعة الوطن تتذكر المأزق الذي جابهته الإدارة الجامعية، عند ترشيحها لبعض حملة الدكتوراه لشغل مناصب إدارية. فقد كانت المشكلة أن المنصب يتطلب “أستاذ دكتور” وتلك درجة يكتسبها الدكتور بناء على أبحاث يجريها وإصدارات تحمل اسمه وجهده معاً. وقد كانت صعوبة التعيين في أن أغلب حاملي اللقب قد توقفوا ومنذ سنوات طويلة عند “دكتور” دون أن يتكبدوا جهد ومشقة العمل للوصول إلى “أستاذ دكتور”!!
قد تكون حجة البعض في أن المناخ المجتمعي من حولهم قد ساهم في تعزيز وتكريس ذلك الفهم الخاطئ لهذه الدرجة العلمية.. وتلك حقيقة قد لا ننكرها، كما ولا ينكرها الكثير من حاملي اللقب حين مجابهتهم بمثل هذه الآراء، ومما لا شك فيه أن هذا الوعي والإدراك لمغزى “الدكتوراه” يعتبر أولى الخطوات نحو فهم أعمق وأنضج لمسؤولية وعبء الدرجة العلمية وإن كان بحاجة إلى تنسيق وتنظيم من قبل الإدارة الجامعية، ووعي وإدراك من قبل المجتمع، وحتى تتم الاستفادة الحقيقية ممن فضلوا واختاروا طريق المعرفة الطويل، فطريق العلم حتى وإن كان من أعرق جامعات الدنيا، هو بكل تأكيد طريق مستمر إلى اللحد!!
