الأرشيف

المعلم أولاً

[جريدة القبس 3/4/1995]

في احتفال الجامعة بتكريم طلبتها المتفوقين من خريجي العام الدراسي 93 – 94!! تحدث وزير التربية والتعليم العالي عن ضرورة إجراء إصلاحات جذرية وحاسمة في النظام التعليمي!! وبحيث تكون تلك الإصلاحات بعيدة عن المجاملات والتردد في اتخاذ القرار!!
وعلى الرغم من حقيقة ما قاله الدكتور الربعي من حيث حاجتنا الملحة في هذا الوطن لنظام تعليمي حديث ومتطور، ومتلائم مع روح العصر ومتطلبات الحداثة والتكنولوجيا والكمبيوتر والديمقراطية!! إلا أن ما يجعلنا نتوقف عند الجانب الخطابي والبلاغي من حديث الدكتور الربعي دون أن ندرك المغزى الحقيقي من وراء حديث وزير التربية!! أن عملية إصلاح التعليم استمرت في كونها شعاراً غير قابل للتطبيق.. نادى به كل وزير وأيده ويؤيده الجميع.. دون أن يحدث أدنى تغيير سواء في أسلوب التعليم أو في مادته ومناهجه!! لا يشك أحد في جدية الدكتور الربعي.. وفي حقيقة طموحاته لإحداث إصلاحات جذرية في العملية التعليمية.. إن كنا نشك في توقيت مرحلة الوعود الإصلاحية!! وهي مرحلة دشنت الدكتور الربعي علماً من أعلام التيار (العلماني) في مواجهة التيار المتأسلم؟! مما سيدفع بالمحاولات الإصلاحية للمسار التعليمي إلى غابة الصراع السياسي بين التيارين!! يفقد العلم والتعليم معها شكله الحيادي، وتستمر بذلك عملية التسييس التي دفعت بالتعليم إلى هذه الهاوية!!
الدكتور الربعي يطمح، ونطمح نحن معه، إلى جيل يؤمن بالاختلاف وحرية الرأي والديمقراطية!! وإن كنا لا نرى أي دلالات أو بوادر تسمح لنا بمثل هذا الطموح!! فالطالب في هذا الوطن يخضع لسلطة معلم يحرص على فرض رؤاه وتعاليمه، وترديدها أكثر مما يردد المنهج الدراسي!!
والمعلم بدوره يخضع لديكتاتورية الناظر الذي يرى في منصبه سلطاناً وجاهاً.. وهكذا!!
المهمة، التي أمام الدكتور الربعي، جسيمة وصعبة!! وصعوبتها تكمن في تحديد أولوياتها وبداياتها!! فالخلل في العملية التعليمية أصبح كالزئبق لا تكاد تمسك له طرفاً، حتى ينقسم، ويبدأ له طرف آخر جديد!! وإن كان المنطق يرجح كفة البداية بالمعلم!! فهو أساس العملية التعليمية!! وهو أكثر منابع الخلل في التعليم.. والتي أصبح يشكو منها الجميع، طلبة وآباء ومجتمعاً!!
فالمعلم قبل أن يكون حلقة الوصل بين المنهج برموزه وطلاسمه.. وبين قدرات التلميذ العقلية والاستيعابية.. هو الصورة الأولى التي يراها الطالب للمجتمع.. فور خروجه من الأسرة.. والمحيط الأبوي!! وهي بذلك الصورة الأكثر بقاء وحضوراً في ذهن الفرد فيما بعد. وجميعنا ولا شك لا نزال نملك صوراً لمعلمي المرحلة الأولى، بقيت معنا وأثرت في تفاعلنا مع أحداث الحياة اليومية!!!
دول كثيرة أدركت حساسية وأهمية الدور الذي يؤديه المعلم في العملية التعليمية، لذا، فإن مهنة التعليم والتدريس لها متطلباتها الخاصة، والتي لا تقتصر على الشهادة الأكاديمية وحسب، وإنما تتطلب تصريحاً بمزاولة المهنة بعد فترة من التدريب والتقييم!! أما نحن، فمهنة التعليم يزاولها الأقل طموحاً واستعداداً لتطوير قدراته وملكاته!! لا نريد أن نترك حديث الدكتور الربعي دون أن نتطرق لما ذكره عن واقع الجامعة!! خاصة في إشادته بالاستقرار الأكاديمي.. والاعتماد على اللوائح والنظم في التعيينات والترقيات!! وذلك أمر لا نشارك الدكتور الربعي رأيه فيه، ولا تصوره للوضع الذي أصبحت عليه الجامعة!! خاصة في مجالي التعيين والتقييم!!
فسياسة التعيين في الجامعة، وبسبب ترشيد الإنفاق الجامعي، أصبحت تستعين بأقل المعلمين تكلفة، وبالتالي أدناهم خبرة ومقدرة!! وهو أمر انعكس مباشرة على مستوى الطالب وعلى إيمانه وقناعته بالمعلم الجامعي.. ومكانته التعليمية ولعلَّ الذين عاصروا الجامعة في السبعينيات.. سيدركون وبسهولة ذلك التدهور في مستوى المعلم الجامعي!!
أما ما يتعلق بسياسة التقييم، والتي امتدحها الدكتور الربعي، فقد أصبحت في الحرم الجامعي امتداداً لسياسة التقييم الخاطئة في مؤسسات الدولة بوجه عام!!
فعلى الرغم من أن مهنة التعليم.. هي من أكثر المهن التي تستمد تطورها من سنوات الخبرة والممارسة!! إلا أن التقييم الأكاديمي.. لا يزال خاضعاً في الجامعة للمقاييس التقييمية المعمول بها خارج الحرم الجامعي!!
الدكتور الربعي في مواجهة شرسة لمعركة خسرها وزراء كثر من قبله!! أول فصولها سيكون في الخروج بالتعليم من دائرة السياسة الضيقة.. ومن استثمار شعارات الإصلاح التعليمي لأغراض انتخابية.. وسياسية!! وأهم فصولها على الإطلاق.. الإرتقاء بالمعلم إلى المنزلة التي جاورت الرسل في مكانتهم ورقيهم ورسالتهم!! فلنقف أولاً للمعلم.. قبل أن نخطو في سلم الإصلاح التعليمي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى