الأرشيف

من فجَّر انتصار الطلبة؟!

[جريدة القبس 23/10/1995]

في الأسبوع الماضي فجرالإرهاب نشوة الفوز داخل الحرم الجامعي، حين امتدت يد العنف ولغة الإرهاب.. لتغتال لغة الكلام والحوار!!
ففي غمرة البهجة بالفوز عبّر البعض عن استيائهم لفوز قائمة “الوسط الديمقراطي” في انتخابات كلية العلوم الإدارية، بتفجير تلك البهجة. وكبت لغة الحرية والحوار!! ولأن الوسط تمثل الجناح الليبرالي وتتبنى الخط الديمقراطي وتؤمن بحرية الحوار وحق النقاش، فقد أخذت في السنوات الأخيرة تسرق الضوء وتتصدر القوائم الأخرى في كليتين من كليات الجامعة!! ما أثار هذا البعض والذي سرعان ما عبر عن ذلك عنفاً وإرهاباً!!
الأحداث الأخيرة في حرم “كلية العلوم الإدارية” تؤكد أن الجامعة، أو مراحل التعليم العالي عموماً، هي أقرب المؤسسات التعليمية للمجتمع.. وذلك بالطبع عائد إلى اكتمال الشخصية في تلك المراحل، والحرية التي يتمتع بها طالب هذه المرحلة مقارنة بالمراحل الدراسية السابقة!!
لذا، فإن الجامعة كانت دائماً وستبقى صورة مصغرة للمجتمع الأكبر، تعكس خلافاته وقضاياه وتعبر عن رؤاه وآرائه!! مما يعني أن علينا أن نتوقع انعكاس الصراعات والخلافات في المجتمع على العلاقات الطلابية وعلى قناعاتهم وآرائهم!!
نحن نتمنى، ونشاطر عميد كلية العلوم الإدارية الدكتور يوسف الإبراهيم أمنياته، في أن لا تكون عناصر الإرهاب التي فجرت الفرحة الطلابية من داخل الحرم الجامعي!! غير أننا، وكما الدكتور الإبراهيم، لا نملك تحقيق تلك الأمنيات!! وكل ما علينا إذاً أن نتقبل كون الجامعة مرآة لما يحدث في المجتمع بوجه عام!!
صراع القوائم الطلابية، سواء على مقاعد الهيئة الإدارية لاتحاد الطلبة أو على مقاعد الجمعيات العلمية، هو بلا شك صورة مصغرة للصراع الأكبر في المجتمع الأكبر على مقاعد البرلمان!! والذي يتركز، على الرغم من تعدد وجوه المرشحين فيه، على كونه صراعاً بين وجوه الإسلام السياسي في مقابل الوجوه الليبرالية!!
وبسبب تلك العلاقة الحتمية بين الجامعة والمجتمع، فإن صراع القوائم الطلابية، على الرغم من تعددها، قد تركز في الخط الإسلامي المتشدد – دون إهمال تنوعاته – في مقابل الخط الليبرالي أو لنكن أقرب للمجتمع الأكبر، فهو إسلام سياسي مقابل تيار ديمقراطي!
علاقة كلا التيارين في المجتمع الأكبر هي ولا شك ليست على ما يرام، وإذا كانت قد خلت من العنف الجسدي، فهي لم تخل من العنف الكلامي واللفظي!! فالصراع بين الاثنين قائم ولا نريد أن نلطفه أو نحسنه بالحديث عن الوحدة الوطنية.. وإيثار المصلحة الوطنية على كل منافع حزبية!! فالصراع قائم وهو منطقي تفرضه اختلافات في البرامج والأهداف.. والرؤى السياسية والمجتمعية! وعلى الرغم من كل المحاولات الرامية لعدم زج الجامعة في الصراعات السياسية من حولها، إلا أن الواقع يقول غير ذلك!! فهنالك دعم واضح لكل القوائم الطلابية من عناصر وقوى سياسية من خارج الحرم الجامعي!! ولن نجد صعوبة تذكر في تلمس تلك الحقيقة، سواء من خلال أطروحات القوائم الطلابية.. أو من خلال التكاليف المالية التي تظهر واضحة إبان الحملات الانتخابية الطلابية.. وأدوات الإعلان والترويج والملصقات والكتيبات.. التي تقول أنها ليست جهداً طلابياً فقط!!
استعداد العنصر الشبابي للعنف الجسدي هو العلاقة الفارقة بين الاثنين.. فالعنف اللفظي بين كلا التيارين: الإسلامي السياسي والليبرالي التقدمي، إذا تجسد عنفاً جسدياً، فذلك لأسباب تتعلق بحكم التكوين النفسي والفسيولوجي للشباب، والذي يجعلهم أكثر استعداداً للاستجابة للعنف في فرض رؤاهم وآرائهم!!
لا نريد هنا أن نوجه تهماً إلى أحد، وإنما هي محاولة لاستجابة واقعية للأحداث الأخيرة في كلية العلوم الإدارية!! فالصراع الطلابي داخل الحرم التعليمي هو بلا شك ترجمة للصراع السياسي الآخر!! ومحاولات التمويه لن توفر حلولاً لقضايا العنف والتي لا تقتصر علينا في هذا الوطن!! وإنما أصبحت الصفة الغالبة للصراعات السياسية في مجتمعاتنا العربية عموماً!! وإن كانت لصيقة بالتيارات الإسلامية في هذه المرحلة أكثر منها بالتوجهات الديمقراطية الليبرالية!! وذلك ليس اتهاماً بقدر ما هو واقع نشهده في أرجاء كثيرة من العالم العربي حيث أصبح العنف أداة في الصراع مع الآخر. لا شك أن العنف في جانبه الإيجابي يعد أداة من أدوات التغيير، وهو ما اتصف به عنف اليسار في مرحلة سابقة في تصديه لأنظمة سياسية فاسدة.. أو لإحداث تغييرات وتصحيحات سياسية. أحداث الجامعة الأخيرة إذاً تتفق تماماً مع موجة العنف الجديدة، والتي أصبحت سائدة في مجتمعاتنا.. ومعبرة عن إحباطات اجتماعية وسياسية يعاني منها جيل اليوم!! والتعامل مع تلك الأحداث يجب أن يركز على أسباب ذلك العنف.. لا على مسببيه وشخوصه الفردية وحسب!! حتى لا نقع في أخطاء الغير.. ممن تعاملوا مع موجات العنف كحالات فردية إجرامية لا إفرازات لأسباب تتفاوت بين الاقتصاد والسياسة!! يهمنا جميعاً أن نعرف من فجَّر فرحة الطلبة؟ غير أن الأهم هو: لماذا فجَّر البعض تلك الفرحة؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى