
مشروع الجامعة الأهلية في هذا الوطن، شأنه شأن مشاريع خاصة كثيرة، بقيت قيد التردد والتراجع في إقرارها والموافقة عليها، إلى أن دفعت الظروف وأجبرت الدولة على البت فيها!!
فبعد أزمة القبول في الجامعة والتطبيقي التي تفجرت مع بداية العام الدراسي الحالي، أصبح الحديث عن مؤسسات التعليم العالي الخاصة ضرورة لا ترفاً!! مما دفع بمجلس الوزراء مؤخراً إلى التعجيل في مناقشة قانون تنظيم المؤسسات الخاصة للتعليم العالي بجميع صورها، من جامعات خاصة وكليات ومعاهد عليا خاصة، وفروع جامعات أجنبية!! وقد اتضحت صورة الاستعجال من خلال موافقة مجلس الوزراء على مشروع القانون في مداولته الأولى، وبحيث يتم استكمال مناقشته بصورته النهائية في الاجتماع المقبل!!
الحاجة إلى جامعات ومعاهد أهلية أصبحت حاجة ملحة بصورة أخرجت الحكومة من صمتها الطويل، ودفعتها للنظر بجدية أكثر لهذه القضية!! غير أن إلحاح الحاجة هنا لا يجب أن ينسينا ضرورة التريث والدقة في تنفيذ مشاريع تعليمية هامة كهذه!! فالتلاعب والتحايل باسم العلم هما مسألة واردة جداً، والخط الفاصل بين الكسب المشروع واللامشروع في المؤسسات الاستثمارية التعليمية هو خط واه ومتعرج في أحيان كثيرة!!
وبإمكاننا أن نلمس ذلك في تجاوزات بعض المدارس الاستثمارية الخاصة، التي نمت من دون تريث أو دراسة بصورة أدت إلى كثير من السلبيات والانعكاسات الخطيرة على التعليم وأهدافه!
لا شك بأن احتمالات الخطأ والصواب موجودة في أي خطة أو مشروع أو تجربة!! وإن كانت أضرار وتكلفة الخطأ يختلف وقعها وتأثيرها بحسب حساسية الموقع، ولعلّ أكثرها تكلفة تلك الأخطاء التي ترتكب بحق التعليم والتطبيب، لما لهذين المجالين من تأثير مباشر على الفرد، ونحن بالتأكيد قد عايشنا أزمات كثيرة أربكت مشاريعنا التنموية لأسباب تعود مباشرة إلى إخفاقنا وفشل خططنا في هذين المجالين!! وإن كان للتعليم النصيب الأكبر فيها!! بدءاً بتدني وتواضع الشروط المطلوبة للمعلم، ومروراً بتراجع المناهج التعليمية، وانتهاء بتخبط سياسة وأهداف التعليم العالي.
اليوم، ونحن نقف أمام مهمة ومسؤولية جديدة، هدفها وأملها الرقي والنهضة بالتعليم الجامعي والعالي، تعود التساؤلات من جديد حول جدية وصدق المشاريع والخطط المطروحة، وتعود معها مخاوف المواطن من أن تطغى حمى الاستثمار المالي على أهداف التعليم السامية والمجردة!! وأن يتراجع حرم الجامعة ليصبح شركة استثمارية كبرى!! خاصة وأن المشروع الجامعي القائم حالياً قد شهد سوابق في التدافع نحو جني أرباح سهلة وسريعة من خلال (ملحمة) التمدد والتوسع في المباني الجامعية!!
قد يكون مشروع الجامعات الأهلية ضرورة أصبحت تبررها وتبيحها تلك الاختناقات الموسمية في الجامعة الحالية، من أزمات قبول إلى شعب مغلقة، ونقص في الهيئة التدريسية.
غير أن الحذر أيضاً مباح ومبرر هنا، حتى لا تلغى الجامعة الاستثمارية دور وأهمية الجامعة الحالية، وبالذات ما يتعلق بموقع الجامعة – الحلم، والمخطط لها أن تقوم وتصبح واقعاً في منطقة “الشدادية” والذي يقال أنه قد تم تحويله مؤخراً إلى عهدة مجموعة من الأساتذة بالإضافة إلى دعم مالي حكومي يقدر بخمسة وعشرين مليون دينار ليقيموا عليه حلمهم الاستثماري التعليمي!
نحن جميعاً نتمنى أن لا يكون ذلك صحيحاً، وأن لا تحل الجامعة الأهلية محل الجامعة الحالية، وإنما تكون سنداً ودعماً لها، كذلك نحن نتمنى أن لا يطغى الهدف الاستثماري على الهدف التعليمي في بنود إنشاء الجامعة الأهلية، وأخيراً نحن نتمنى أن لا نبقي أمنياتنا تلك مجرد أحلام معلقة، تماماً كحلم الجامعة في الشدادية!!
