الأرشيف

الرأي.. والرؤية في قرار التعليمية

[جريدة القبس 18/12/1995]

قرار اللجنة التعليمية الأخير، والداعي إلى توحيد الزي الجامعي وفصل الكليات الجامعية إلى كلية “للحريم” وأخرى “للرجال” قرار خطير ومؤسف، ليس لأنه عار من أدنى أسس المنطق وبعيد كل البعد عن الجدية والوعي، وخال من أدنى درجات البعد السياسي والاجتماعي!! وهي على الرغم من أن كونها أموراً جوهرية في أي قرار أو رأي!! إلا أنها تبقى أيضاً أموراً بالإمكان معالجتها مع تدرج الوعي السياسي والمجتمعي، والذي لا يأتي إلا بالزمن!!
لذا فإن ما يعتبر خطراً في قرار كهذا، أنه يؤكد درجة الخلط التي أصبحنا نعاني منها بين الرأي والرؤية!! وهو خلط يصاحبنا في أمور أخرى كثيرة، ليس أولها ولا آخرها قرار اللجنة التعليمية!! وهو خلط خطير لأنه نهج يبقى متغلغلاً في النسيج المجتمعي وتبقى نتاجاته وتبعاته عبئاً على المجتمع بشكل عام!! فبينما يبقى الرأي رهناً بقضية، وأمراً وقتياً وبفرد أو بمجموعة تكون آراؤهم مساهمات في تسليط الضوء على قضية مثارة أو أمر مطروح!! تأتي الرؤية أكثر تكاملاً ووحدة لتشكل مجموعة من الأفكار المتكاملة!!
إن أسلوب التعرض لقضايا الوطن، أياً كان منبعها أو مرماها، هو لا شك يفتقد تلك الرؤية الشاملة!! فتموت أغلب الآراء وليدة!! حتى لقد أصبح طرح الآراء كتراشق النيران، هائجة ثائرة في فورتها الأولى وإن كانت قصيرة منقطعة في عمرها!
قد لا تكون قضية الفصل في الحرم الجامعي أو الدعوة إلى توحيد الزي الجامعي هما وحدهما المثيرتان لتساؤلات غالباً ما يثيرها البعض حول الهدف من وراء ما يطرح من آراء، فكل أطروحاتنا تتسم بالطابع ذاته ذي النفس القصير.. والبعد الأقصر!! حتى لقد أصبح التسابق نحو عرض الرأي في قضية ما هو أقصى طموحاتنا وتطلعاتنا!! وبحيث أصبح طرح الرأي كتابة أو قولاً نوعاً من أنواع التنفيس لا أكثر!!
كان بإمكان اللجنة التعليمية، التي طرحت مسألة وجوب الالتزام برداء جامعي موحد، أن تكون أكثر إقناعاً لو أنها قدمت رؤية شاملة، ومحددة تمتد إلى زمن مستقبلي أبعد من خيام ومزايدات معركة الانتخابات المقبلة!! لو أنها طرحت تصوراً شاملاً ومتكاملاً للمردود المتوقع مستقبلاً أو حاضراً من وراء الأخذ بطرحها بشأن الزي الجامعي!! غير أن شيئاً من ذلك لم يصاحب قرار اللجنة وذلك لأسباب منطقية وواضحة، تكمن في أن واضعي القرار وأصحابه لا يملكون أساساً هذا التصور البعيد!! ولم تتعد رؤاهم آراءهم وطموحاتهم الشخصية والوقتية، فجاء ارتجالهم متطابقاً مع عفوية حاجتهم الآن بالذات لجمع كوبونات التأييد (الجماهيري)!!
آراؤنا عموماً في هذا الوطن لا يتعدى أثرها أعمدة وافتتاحيات الصحف، ولا يتجاوز صداها مجالسنا اليومية وتجمعاتنا!! حتى لقد أصبحت جميعها ردود فعل، سرعان ما يهدأ غبارها مع تقادم الفعل أو الحدث!!
فنحن جميعاً، حكومة ومواطنين، لا نملك رؤية أمنية واضحة وإنما آراء نتقاذفها في ما بيننا عندما يهب أي طارئ أمني!! وتحركنا جميعاً وبحماس منقطع النظير قضية تثيرها طالبة أو مدرسة أو ناظرة، بينما لا نملك رؤية واحدة ومتناسقة حول مسار وأهداف العملية التعليمية بوجه عام!! نثور جميعنا ونزبد ونرغي يومياً تجاه قضايا سرعان ما تخمد نارها، دون أن نتخذ من واحدة من تلك القضايا مدخلاً لفرض رؤية تحسم تساؤلاتنا وحيرتنا وإلى الأبد!!
لا ينكر أحد على الإطلاق أهمية الرأي وجوهريته في طرح وعرض قضايا الوطن!! غير أن أهمية الرأي أيضاً هي في كونه نواة لرؤية أشمل وأوضح!! فنحن نملك آراء بعدد أفراد هذا الوطن!! حتى لقد أصابنا تعب في الرؤية وإعياء في الإبصار وصل إلى حد انعدام الرؤية والإعتام البصري!! وإذا كان بالإمكان توفير آراء بعدد المواطنين، فإنه من الصعب بل من الكارثة، أن يتوفر العدد ذاته من الرؤى والحلول!!
نحن بلا شك نرغب في أن نخرج من حالة (اللحظة) التي تسيطر علينا لندخل في بُعد زمني ومرحلي أبعد من زمن (اللحظة)!! وأداتنا الوحيدة نحو تحقيق مثل هذا الهدف هي في أن نتخلص من أنانية الرأي في سبيل عمومية الرؤية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى