الأرشيف

الجامعة.. بناء بلا بنية

[جريدة القبس 13/1/1997]

وها قد بنى لنا عبدالمحسن حيات جامعته المتكاملة، وعبر بعدسته عن حلم كل مواطن، فهل نقف فوق كتفيه لنلقي نظرة على سبل تحقيق ذلك الحلم، أم نكتفي بالمشاهدة.. ونصمت؟

استضاف الإعلامي محمد السنعوسي في برنامجه الأسبوعي، عدداً من أساتذة الجامعة بالإضافة إلى بعض طلبتها، حيث أثيرت في اللقاء قضايا جامعية مختلفة، ومشاكل طلابية عالقة. وكالعادة دائماً، وفي كل مناسبة يثار فيها الحديث عن الجامعة فإن المتحدثين يجدون أنفسهم يغوصون وبعمق في قضية الإنشاءات الجامعية بشكل خاص.
هنالك بلا شك نواح سلبية وقصور كبير في الأداء الأكاديمي والإداري والطلابي في جامعة الوطن، وهو قصور تدركه الأسرة الجامعية، وتشعر بثقله أكثر من أي جهة أخرى، لذا فقد جاء إطراء بعض الذين ضمهم اللقاء التلفزيوني لأداء الجامعة، جاء ليثير تساؤلات حول حقيقة ذلك الإنجاز المتميز للجامعة، والذي أشار إليه البعض في حديثهم، حتى لقد خيل لمتابعي اللقاء بأن المتحدثين لا شك قد كانوا يشيرون في حديثهم إلى جامعة “هارفارد” أو “لندن” أو أي من الجامعات المصرية أو اللبنانية المتميزة عربياً. خاصة أن ذلك الإطراء يأتي اليوم ونحن في أسوأ مراحل الأداء الأكاديمي والإداري لجامعة الوطن.
الذين تابعوا اللقاء الجامعي ضمن برنامج السنعوسي لا شك أنهم أدركوا أن هنالك خلطاً واضحاً وخللاً من الهيئة الجامعية ذاتها في ترتيب أولويات الجامعة كمؤسسة تنموية وأكاديمية تربوية، وقد ظهر ذلك الخلل واضحاً من خلال محاولات بعض حضور البرنامج التركيز على عملية الإنشاءات القائمة حالياً في الجامعة، وتسليط الضوء عليها بكونها من الأولويات الأساسية لجامعة الوطن!!
وقد لا يذكر أحد حاجة الجامعة الماسة لمقار دراسية ملائمة، لمبان جيدة تليق بهيئة هامة وبمؤسسة كالجامعة.
غير أن ذلك لا يجب أن يكون في أولويات البناء والتأسيس الجامعي!! ولا يجب أن ترصد له كل تلك الأموال الفلكية، في وقت تتجمد فيه الكثير من المشاريع الأكاديمية والبحثية لأسباب تعود بشكل مباشر لقصور في التمويل المالي، وللميزانية المرصودة للجامعة.
ولعلَّ أولئك القريبين من الجامعة، سواء كانوا من هيئة التعليم فيها، أم من طلبتها، يدركون جيداً أن هنالك أولويات كثيرة للجامعة قد تم تجاهلها أو تأجيل النظر فيها إلى حين الانتهاء من الأعباء المالية والإدارية التي سببتها عملية الإنشاءات في الجامعة. تأتي على رأس تلك الأولويات، الحاجة للاستعانة بكوادر أكاديمية تعيد لجامعة الوطن بعضاً من مكانتها العلمية التي استطاعت أن تحققها في سنوات عمرها الأولى، خاصة في ظل التدهور الذي أصبح عليه الجسد الأكاديمي في الجامعة، بسبب (عجزها المالي) عن استقطاب كفاءات تعليمية وخبرات أكاديمية، تساعد في تأسيس البناء الأكاديمي العلمي للجامعة بصورة صحيحة وصلبة ومتماسكة.
الإنشاءات الجامعية، هي بلا شك صفقات تجارية، وفرص مقاولات، لا يجب أن يتصدى لها أساتذة وأكاديميون. والدفاع الذي أبداه البعض ممن ضمهم اللقاء التلفزيوني، لعملية الإنشاءات يؤكد على حقيقة ذلك الخلل في أولويات الجامعة لدى هؤلاء الأكاديميين، والذين لن يستطيعوا أن ينكروا أن هنالك أخطاء جسيمة في مخطط الإنشاءات الجامعية، فبخلاف العبء المالي، هنالك شكوك حول حقيقة الاستفادة من عمليات الترميم والإنشاء لمبان تحتل مواقع جغرافية خطأ، وهو أمر ينم عن درجة العشوائية واللاتخطيط في اعتماد مشروع الإنشاءات الجامعية. فعلى سبيل المثال: من اللاتخطيط استثمار كل ذلك الجهد المالي والإداري في إنشاءات مبنى الجامعة بالخالدية، والذي يتعارض وجوده في قلب منطقة سكنية، مع برامج التخطيط للدولة بشكل عام، والتي حددت المناطق السكنية، وفصلتها عن مناطق الإنشاءات والمؤسسات والوزارات.
قضايا الجامعة لا شك كثيرة ومتشعبة، واللقاء التلفزيوني أثار بعضاً من تلك القضايا لا كلها. وإذا كانت عملية الإنشاءات قد احتلت الصدارة في كل ما يوجه من نقد للجامعة مؤخراً!! فإن ذلك يعود لأسباب تتعلق بحاجتنا المتزايدة، إلى ترتيب جاد وصادق في أولويات الجامعة كمؤسسة تنموية أكاديمية، لا قاعات رخامية بنوافير جميلة وحسب. فحاجة الطالب لهيئة أكاديمية متميزة، هي أكثر بكثير من حاجته لكافتيريا مبنية من الرخام الأنيق، والتمتع بمناخ أكاديمي وعلمي تنافسي، هو لا شك من الأولويات التي أجلتها ضجة وزحمة بناء جامعي خال من البنية الأكاديمية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى