
استوقفني مقال في إحدى الصحف يستنكر صاحبه فيه بث اذاعة الكويت الرسمية ابتهالاً لفرقة نقشبندية! سبب استنكار صاحبنا هنا هو – على حد زعمه – أن الطريقة النقشبندية هي إحدى فرق الصوفية المعروفة، وأن لديهم معتقدات تخالف أصول الإسلام، وأذكاراً وحلقاً لا تتوافق مع ما جاء في السنة النبوية الصحيحة ولا تتوافق مع المذهب الشرعي في الكويت!
أولاً، أود أن أذكر صاحب المقال هنا بأن الكويت دولة مدنية دينها الإسلام، وأن التعدد المذهبي واختلاف الفرق حق نص عليه الدستور وأيّده! هذا أولاً، أما ثانياً، فهو أن أهل السنة والجماعة يعتبرون الطريقة النقشبندية من الطرق التي تتبع كتاب الله وسنة نبيه محمد c وتدعو إلى العلم الشرعي، ولذلك فإن أغلب أتباعها هم من أهل العلم!
وهي شأنها شأن سائر الفرق الصوفية تحلق بالدين وترتقي به عن زيف الدنيا ومغرياتها، فمن أصول الطريقة النقشبندية التمسك بعقائد أهل السنة، والالتزام بضوابط الشريعة والإعراض عن زخرف الدنيا، وعن كل ما سوى الله، بالإضافة إلى التخلق بأخلاق النبي.
هنالك هجمة شرسة أصبحنا نلمسها في المواقع الإلكترونية على الصوفية والمتصوفين، إما عن جهل بها، وإما عن عداء هو أقرب إلى الجهل! فاتهمها الكثير بأنها خروج عن الدين الإسلامي على الرغم من حرصها كفكر على تحقيق أهم ما نص عليه الدين وهو مقام الإحسان، والذي يدعو بالدرجة الأولى إلى “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك”.
الصوفية تصطدم أكثر ما تصطدم بالسلفية المعاصرة، لكون الأخيرة قد انغمست في ملذات الدنيا وبهرجها وتمرغت في مسالك السياسة وصراعاتها، بينما تحض الصوفية بل وتشترط اجتناب المنهيات وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وكلها أمور استمدها المتصوفة من جوهر القرآن الكريم، ومن تعاليم رسول الله c في أحاديثه!
في أغسطس الماضي حدثت هجمات مؤسفة على بعض المعالم الصوفية في مصر وليبيا، مما دفع بمنظمة اليونيسكو إلى حث تلك الدول على ضرورة حماية المساجد والأضرحة الصوفية من تلك الهجمات التي شنها – وللأسف – إسلاميون متشددون يعتبرون المدرسة الصوفية التقليدية هرطقة، مع أني أكاد أجزم بأنهم يجهلون منهجها وفكرها! لكنه الجهل حين يحل بأمة تصبح أداتها القتل والتدمير بدلاً من الحوار والمناقشة! لكنها هجمة ليست وليدة اليوم، وإنما تعود إلى منتصف القرن الماضي حين اعتبرتها المدرسة السلفية بدعة دخيلة على الإسلام!
لقد حض الإسلام على تقبل الآخر، وعاش المسلمون في إطار ديموغرافيته الهائلة، بل لقد عاش رسول الإسلام c في مجتمع المدينة وهو مجتمع يزخر بالتعدد الفكري والعقائدي، فلم يسب أحداً ولم ينبذ أحداً، بل كان منهجه الحكمة والموعظة الحسنة، هكذا هو الإسلام الذي تسعى الصوفية اليوم إلى استعادته من قبضة أهل السياسة والدنيا، مذكرة بتاريخ إسلامي حفل بعلماء مسلمين انتسبوا إلى التصوف وأثروا مسيرة الإسلام، منهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمام الغزالي والنووي وعز بن عبدالسلام، بالإضافة إلى قادة مسلمين من المتصوفة مثل صلاح الدين الأيوبي وعمر المختار ومحمد الفاتح والأمير عبدالقادر.
