الأرشيف

فرسان مالطا!

[جريدة القبس 18/11/2014]

• التعصب عند البعض موجود في كل الأديان، ومجتمعات أوروبا والغرب ليست خالية من التطرف.
قد لا يقتصر التطرف الديني على الإسلام، فأي دين هو في نهاية الأمر فكر، والفكر لا يقبل الشريك وربما لهذا السبب انطلقت كل الحروب الدينية، وإذا كان عصر النهضة وحقبة التنوير قد خففت من نفوذ الجماعات الدينية في أوروبا والغرب بشكل عام، فهذا لا يعني إطلاقاً أنها كمجتمعات خالية من جماعات متطرفة فكرياً وعقائدياً.
“فرسان مالطا” هي واحدة من هذه الجماعات، وهي جماعة تقيم في الفاتيكان ولها اعتراف إيطالي كدولة، وتعترف بها كذلك 96 دولة أخرى منها 6 دول عربية!
نشاط “فرسان مالطا” المعلن يقوم على جمع التبرعات وإنفاقها في برامج خدماتية وخيرية، لكن الهدف الحقيقي غير المعلن هو حماية الحق المسيحي في الحج إلى القدس!
ودولة “فرسان مالطا” هي دولة اعتبارية بكل المقاييس، فهي بلا أرض محددة وبلا حكومة مشكلة وبلا شعب معين، لكن مع ذلك تمثلها 96 سفارة “افتراضية”!
أخيراً، وفي لقاء على إحدى القنوات الفضائية، أشار الكاتب والمحلل السياسي محمد حسنين هيكل إلى دور شيمون بيريس في الضغط على مصر للاعتراف بدولة “فرسان مالطا”، مستغرباً اعتراف بلد غير كاثوليكي بجماعة كاثوليكية رومانية!
ومن يومها، أي من يوم إثارة هيكل هذه المسألة ومدونات المصريين لا تهدأ عن استكشاف هذه الدولة الافتراضية!
“فرسان مالطا” خرجت من رحم النزاعات والحروب الدينية، فهي ظهرت أولاً في عام 1070 ببيت المقدس في فلسطين، كهيئة خيرية لرعاية المرضى المسيحيين، لكن عندما قامت الحروب الصليبية الأولى ضد الإسلام في عام 1097 وتم الاستيلاء على القدس، أنشئ فصيل تنظيمي باسم “فرسان القديس يوحنا الأورشليمي” على أساس عسكري مسلح، وشهد تاريخهم عمليات قتل وقطع رقاب وشرب دماء باسم الدين كالعادة، والحفاظ على العقيدة.
إن التعصب الديني عند البعض موجود في كل الأديان، وإذا كانت أوروبا قد استطاعت وإلى حد كبير تهجين وترويض هذا التعصب من خلال القوانين المدنية الصارمة، والعدالة الاجتماعية، فإن ذلك لا ينفي كذلك دور مفكرين خرجوا من قلب تلك المجتمعات وحاربوا التعصب والتطرف، لعل أشهرهم فولتير، الذي ساهم فكره في مشروع فصل الدين عن الدولة، فكان أن استقرت الأمور ونعم الناس بالسلام!
نحن وبكل أسف كمجتمعات إسلامية لا نزال في بداية دموية مشهد التعصب، وبانتظار أن يخرج من بيننا مفكر شجاع كفولتير ليعيد للوعي العربي عقله واتزانه وتسامحه.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى