الأرشيف

أسامة الأزهري!

[جريدة القبس 31/5/2016]

حتى الآن لم يخرج أحد من المنادين بضرورة تعزيز الوسطية والاعتدال في فهم وتطبيق الدين، بخطة محددة أو دراسة محكمة لكيفية تطبيق مثل هذه “الرغبة” التي سادت أغلب المجتمعات والدول الإسلامية، وذلك بعد أن جاوز المتشددون والأصوليون كل الخطوط، حمراء كانت أو خضراء، وأصبحوا يشكلون خطراً ليس على الوعي السائد في مجتمعاتهم وحسب، بل طال خطرهم الأنظمة السياسية العربية ومن دون أي استثناء!
وزراء الأوقاف والعدل وشيوخ الدين يرددون كل يوم على مسامعنا شجبهم للتطرف والغلو، ورفضهم لاستخدام الطائفة في الصراعات السياسية، أو تسخير الدين لخدمة مصالح دنيوية!
لكنهم لا يطرحون تصورهم لمعالجة مثل هذا الوضع، فهم يملكون “الرغبة” لكنهم يفتقدون الرؤية والاستراتيجية، وتلك هي الكارثة بحد ذاتها!
مصر – قلب العروبة النابض – وبعد أن أصبحت تئن تحت سياط التطرف وإرهاب المتطرفين، وعنف الأصوليين، خرجت بمشروع “تجديد الخطاب الديني”، الذي أشعل الصراع بين المؤسسات الإسلامية الرسمية ممثلة بالأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وبين مدّعي تجديد الخطاب الديني، ممن يزيد تطرفهم على تطرف الأصوليين أحياناً!
لكن يبدو أن مصر قد وجدت في الشاب أسامة الأزهري ضالتها، الذي يقال إن جهوداً تسعى إلى تعيينه في منصب المستشار الديني لمؤسسة الرئاسة!
الأزهري، كما يراه المصريون، يحمل رؤية وخطاباً عقلانياً لا تشدد فيه، ويطرح فكراً أصبح الكثير يعول عليه في تشكيل نواة جيدة لخطاب ديني متجدد!
أكثر ما اشتهر عنه مطالبته بضرورة سنّ تشريعات تحمي الفتوى من غير المؤهلين لها، وبتحليله لمراحل التطرف التي لخصها بأربع مراحل، تبدأ بمرحلة التدين ثم التطرف ثم التكفير، إلى أن يتحول إلى آخر مرحلة ويصبح المتطرف قاتلاً!
كما يطالب أسامة الأزهري بالأخذ بالثوابت، لكن من دون رفض معايشة الواقع وإدراك سمات العصر، بدلاً من الانغلاق على النفس والتجمد الفكري والوقوف خلف عجلة الزمن.
أمور كثيرة دفعت العالم العربي بالتحديد، إلى طرح مشروع “تجديد الخطاب الديني”، أحدها أن الواقع اليوم أصبح يتطور بشكل جعل من فكرة التجديد هذه الملجأ الوحيد للحفاظ على التراث والفكر الديني، كما ساهم كذلك ظهور التيارات الأصولية المتشددة في التعجيل بطرح مثل هذا المشروع.
إذاً الحاجة للتجديد أصبحت حتمية، والتعامل مع النص الديني والتاريخي من خارج المؤسسات الدينية التقليدية أصبح ضرورة.
وتبقى هنا مشكلة الأدوات، وإذا كانت مصر “الأزهر” قد وجدت ضالتها في اتزان وحنكة أسامة الأزهري، فإن ذلك لن يكون مصير دول الخليج، التي تعبث جذور الأصولية في شعوبها قبل شيوخها، ولعل الذين تابعوا “اقتراحات” بعض شيوخنا الأفاضل في حادثة إضراب عمال النفط يدركون جيداً ما أعنيه هنا، والله المستعان.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى