الأرشيف

المناصحة.. والإلحاد

[جريدة القبس 15/1/2019]

كان يقود سيارته أمام مواقف جامعة الكويت في الخالدية مستمتعاً بموسيقى يبثها جهاز التسجيل في سيارته. وعلى الرغم من أن صوت الموسيقى لم يكن عالياً ولا مزعجاً، فإن هذا الشاب فوجئ بشباب من الشرطة يأمرونه بالوقوف، ثم أبدى أحدهم رأيه معلقاً بأنه كان على الشاب أن ينصت للقرآن الكريم بدلاً من الموسيقى، ثم لكي يعملوا على تمويه عملية توقيف الشاب لهذا السبب، اختلقوا مخالفة هامشية جداً.
قد تكون مثل هذه الحادثة فردية، ولكنها تبقى مهمة وخطيرة من حيث إنها أولاً تشكل انتهاكاً مخيفاً للحرية وللخصوصية، ولكونها ثانياً تحمل خروجاً عن مهمة رجل الأمن الأساسية، وخلطاً للأدوار والمهام! نتذكر جميعاً تلك الهجمة “الصحوية” التي سادت مرحلة ما بعد الغزو، حيث خرج علينا من يأمر النساء بارتداء الحجاب وبأسلوب فج، حتى لم تعد تخلو جمعية أو سوق أو مكان عمل من جماعة توزّع عظاتها الدينية فتأمر هذا بالصلاة، وهذه بالحجاب، وأولئك بضرورة إطلاق اللحى وحف الشوارب، وغير ذلك من أمور ليست في جوهر الدين كسلوك ومدخل للأخلاق والقيم والتهذيب والمعاملة الإنسانية!
اليوم نرى ارتدادة قوية من الشباب عن الدين، ليس في الكويت وحدها، وإنما في العالم العربي بشكل عام، حتى أصبحت أرقام الملحدين تلامس سقفاً عالياً! والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان دائماً هو عن الأسباب التي تدفع الشباب إلى الإلحاد، وعن المؤثرات التي ضاعفت من أرقام الملحدين، بالرغم من كل مظاهر التدين في بلد مثل الكويت، ومن كثافة المساجد، وجهود وزارة الأوقاف وغيرها، وبالرغم من عدد الدعاة والوعاظ الكبير!
الإلحاد بحد ذاته مسألة معقدة، وقد يصعب توصيفها بدقة، فهنالك عوامل عديدة تتداخل في توصيفه، منها ما هو فكري واجتماعي، ومنها ما هو نفسي وتربوي، والإلحاد يختلف عن اللادينية التي تنكر المصدر الإلهي للأديان، وهو غير اللاأدري، الذي يتوقف عند سؤال وجود الخالق ويرى أن الإجابة عليه غير ممكنة، ولكننا وبسبب غياب الدقة في التوصيف نضع كل هذه الأفكار تحت مسمى الإلحاد، الذي وكما ذكرت مسبقاً يحتاج تعريفه إلى متخصصين في الدين والفلسفة وعلم الاجتماع.
وبعيداً عن التعريف نعود إلى السؤال حول سبب تزايد ظاهرة الإلحاد، وهو السؤال الذي جاء في أعلى سلم الإجابة عليه مسألة التطرف والجمود الديني، حيث تشير أغلبية الآراء إلى أن الإلحاد غالباً ما يكون نتيجة ردة فعل على التشدد والغلو الديني، وفشل المؤسسات الدينية في كسب الشباب وتحفيز عقولهم، بسبب غياب الحوار القائم على الحكمة في الطرح، وليس الاستبداد والتخوين والتكفير والتعنيف المنفر!
العقل الشبابي اليوم بحاجة إلى لغة مخاطبة جديدة تتلاءم مع ما تشهده البشرية من مستجدات وتحديات، وهو أمر لا يزال وبكل أسف بعيداً عن أسلوب المؤسسات الدينية على اختلافها!
الشباب اليوم بحاجة إلى من يملأ قلبه بحب الآخرين لا كراهيتهم، وباحترام كرامة الإنسان لا هدرها، وما قصة الشاب التي أوردتها في البداية إلا واحدة من مئات القصص التي تشير إلى الخلل الكبير في المناصحة الدينية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى