
لا يقتصر التطرف الديني على عقيدة معينة، فالانتماء العقائدي لا شك أقوى من أي انتماء آخر، فهو عابر للجنس واللون والعرق وكل أوجه الانتماء!
لكن يبقى السلوك المتطرف واحداً، وذلك بدءاً من قتل مسيحي لمسلمين يؤدون الصلاة في مسجد بنيوزيلندا، مروراً بتفجير مسلم سني لمسلمين شيعة في مسجد الصادق، ووصولاً إلى المعتقد اليهودي المتطرف الذي يرى “أن السيف والتوراة قد نزلا معاً من السماء”، ومقتل أنديرا غاندي بثلاثين رصاصة على يد هندوسي. لكن ما يهمنا اليوم كأمة أن الإسلام أصبح متهماً في حوادث عنف لأسباب كثيرة، ليس من بينها التعاليم الواردة فيه بقدر ما هو قصور من قِبَل المسلمين في فهم النصوص والقصص الواردة بالشكل الصحيح.
الحوادث الأخيرة التي حدثت في فرنسا تعيد طرح سؤال لطالما طرحه المسلمون جميعهم في كل الحوادث السابقة، بما في ذلك العنف الداعشي الذي فاق بقسوته وعنفه كل المقاييس! سؤال حول الأسباب التي تدفع المتطرف إلى جز الرقبة وإهدار دم الضحية بشكل مخيف؟ ما الذي يجعل شاباً في مقتبل العمر يقدِم على نحر إنسان من الوريد إلى الوريد، بينما كان بالإمكان إطلاق رصاصة أو دس سم أو حتى حادث سيارة لتحقيق الهدف؟!
الكثير أصبح يلوم ما يسمى بجمهور الفقهاء الذين استطاعوا بفتاواهم أن يغرّروا بعقول مئات الآلاف من الشباب المسلم، ويقنعوهم بوجوب الجهاد ودفعهم لأن يتفرقوا في كل بقعة متفجرة من أفغانستان إلى العراق وسوريا وليبيا والصومال والقائمة تطول، فاتحين صدورهم لجهاد لم يذكره الإسلام، ولِجَنّة أوعز الفقهاء لهم بأنها تنتظرهم مع كل غزوة يدمرون فيها أعداء الله!
الفقه الجهادي بهذا الشكل العنيف والخاطئ أصبح من ضمن المناهج التعليمية، وتحوّل إلى جزء من الشائع في المنشورات الإسلامية، لذلك يتحمل هؤلاء الفقهاء والمرجعيات ذنب كل شاب نحر رقبة إنسان تلبية لدعوة سمعها من فقيه أو من رجل دين وحرّضته لارتكاب ذلك.
لا تزال الذاكرة رطبة وقادرة على استرجاع فتاوى الجهاد إبان الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين خرجت فتاوى حول المجاهدين في أفغانستان، وكيف أنهم يتحدون قوانين الطبيعة فلا تتحلل جثثهم «الطاهرة» بل وتفوح منها رائحة المسك والعنبر.
حتى الآن لم نسمع عن محاسبة لأي من أولئك الذين أفتوا، كل ما رأيناه تحوّل في لغتهم وتبدّل في مفرداتهم يتلاءم مع التحولات السياسية من حولهم والتي فرضت تعريفاً مختلفاً للتطرف.
نحن مجتمعات ملتزمة دينياً، والفتوى عندنا بحجم القانون، لذلك يتحمّل رجال الدين والمفتون جزءاً كبيراً من مسؤولية توعية الناس وإعادة تفسير آيات وأحاديث كثيرة تم استخدامها، بكل أسف، لتأجيج مشاعر العامة. فهنالك مفاهيم كثيرة بحاجة لتفسير حداثي قادر على مخاطبة عقول الشباب بشكل يُحاصر العنف الذي ارتفعت حدته بفعل مقومات الجهل المتراكمة في أغلب المجتمعات الإسلامية.
المسلمون، وخاصة الشباب منهم، مُغرّر بهم وإلا كيف لم تستفزهم مشاهد رجم النساء، وإلقاء المثليين من ارتفاعات عالية، واسترقاق النساء في الحروب، ونحر رقاب غير المسلمين، وكلها ممارسات كان يرتكبها تنظيم الدولة وتتعارض مع نهج التسامح والسلام والمغفرة الذي ينادي به الإسلام، ومع ذلك لم نسمع واعظاً يحث شباب المسلمين على الخروج في تظاهرات للتنديد بمثل هذه الممارسات والنأي بالإسلام عنها.
نحن اليوم في أزمة تعريف لمفهوم التطرف بشكل عام إسلامياً كان أم لا، ودورنا اليوم كمسلمين للنأي بالعقيدة عن شوائب الجهل التي التصقت بها هو في إعادة الوجه الحضاري للإسلام، إلا أننا وبكل أسف لا نزال نفتقد مؤسسة تشريعية واحدة تتبنى مثل هذا الدور بموضوعية غير مُسيّسة، فتدين مثل هذه الممارسات باعتبارها خارجة عن إطار الرحمة والألفة اللتين نص عليهما الإسلام.
لقد أوقف عمر بن الخطاب العمل بآية قرآنية صحيحة، وذلك حين أمر بعدم معاقبة السارق بداعي الجوع وذلك في عام الرمادة.
وما أحوجنا اليوم إلى مثل عمر ليرفع عن الإسلام حرج بعض الممارسات التي أصبح الجهلة يستخدمونها بحجة الدفاع عنه، أو بعض تجار الدين الذين أدمنوا اجتزاء النصوص في لعبة أصبحت اليوم مكشوفة.
