الأرشيف

الغرب والآخرون

[جريدة القبس 10/11/2020]

لماذا فيينا بالتحديد؟ كان هذا أول سؤال طرحته الهجمات الإرهابية التي اشتعلت وسط العاصمة النمساوية، فالنمسا دولة محايدة بشكل دائم، حيث تم تشريع إعلان الحياد في عام 1955، حتى بات الحياد عنصراً أساسياً من الهوية النمساوية، ولا تشارك النمسا إلا في عمليات حفظ السلام وغيرها من المهام الإنسانية. وتُعد النمسا من أغنى البلدان في العالم، واحتلت الصدارة من ناحية المستوى المعيشي لعدة أعوام، كما أنها تعتبر المركز الأساسي للأمن الأوروبي، وتستضيف عدة منظمات دولية.
منذ ما يقارب العامين حضرت انتخابات في النمسا، تنافست فيها الأحزاب الرئيسية، ومن ضمنها اليمين المتطرف، وأذكر حينها أن جميع السيدات وضعن ملصقاً يقول إن الأم والجدة تصوتان لليسار، وذلك استشعاراً من النمساويين لخطر اليمين المتطرف الذي تراجعت أرقامه بالفعل في تلك الانتخابات.
الشعب النمساوي عانى ويلات الحرب ويدرك تماماً خطر التطرف بأي اتجاه، لذلك يسعى للنأي ببلده عن ذلك. لكن وعلى الرغم من صفة التسامح السائدة في السياسة النمساوية، واستقبال المهاجرين بالورود، ودعم حرية الأديان، والمعارضة والتعبير، فإن ذلك كله لم يشفع لها كدولة عن أن تكون مسرحاً لهجمات إرهابية كالتي حدثت.
البعض ذهب إلى أبعد من التحليل المتاح لما حدث، واستعان بدهاليز فكر المؤامرة، وبأن العمليات الإرهابية، سواء في النمسا أو فرنسا، قد تكون مرسومة بشكل أو بآخر لتقوية حجة اليمين المتطرف وجناحه، وبأنها كعمليات ستدفع الكثير من مواطني الشعبين إلى الميل نحو سياسة يمينية مناهضة للمهاجرين ولكل أشكال الاندماج مع الثقافات الأخرى.
هذه في النهاية وجهة نظر قد يجانبها الصواب أو الخطأ، لكنها ستعيد إلى الأذهان نبوءات المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون، التي لخصها في مقال بعنوان “صراع الحضارات”، نُشِرَ في مجلة “فورين أفيرز” عام 1993، وأثار ما أثار من جدل طويل لا يزال يقفز إلى الواجهة بين حين وآخر،
مقال هنتنغتون جاء رداً على أطروحة تلميذه فوكوياما المعنونة “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. فوكوياما كان يرى أن الديمقراطية الليبرالية ستسود العالم مع نهاية الحرب الباردة، بينما يجادل هنتنغتون بأن صراعاً مختلفاً سيعقب الحرب الباردة، وبذلك لن ينتهي التاريخ وفقاً لأطروحة تلميذه، بل سيبدأ بصراعات سياسية واقتصادية بين الدول القومية، وبأن المحرّك الأساسي لكل هذه الصراعات سيكون في الاختلافات الثقافية، وبأن انتهاء النزاع الأيديولوجي بين الشيوعية والرأسمالية، سيُنذر بنزاع مختلف أساسه الاختلافات الثقافية التي ستكون بؤرة الحروب القادمة.
يدافع هنتنغتون عن نظريته بقوله إن الضمير الحضاري أمر واقعي ويتزايد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وبأن الصراع القادم سيكون بين “الغرب والآخرين”، وبأن المستقبل القريب يشير إلى صراع الغرب والدول ذات الأغلبية المسلمة.
لا يزال الجدل حول كلا الرؤيتين قائماً، لكن الأحداث منذ التسعينيات تقودنا بشكل أو بآخر إلى هذه الخلاصة. ولعل المتابعة لتصريحات أردوغان، التي ندد فيها بالكاريكاتور الفرنسي، تحمل مؤشرات بهذا الاتجاه، فالرئيس التركي غالباً ما يسترجع الحروب الصليبية في كل مرة يجد نفسه في مواجهة الغرب، آخرها كان تصريحه ضد ماكرون.
الدفع إذاً لتغليب اليمين المتشدد في أوروبا لا شك يخدم مثل هذه النظريات ويضاعف من احتمال أن تصدق، لذلك ستدفع دولة مسالمة كالنمسا ثمن حيادها وتسامحها في حقبة تتربص فيها كل حضارة بالأخرى، وكل ثقافة بنقيضتها، ويبقى السؤال المطروح: هل العالم مقبل على نهاية التاريخ أم بدايته؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى