الأرشيف

شجرة الكريسماس وشيخوخة البشر

[جريدة القبس 1/1/2023]

بداية، كل عام والعالم بشعوبه وأممه وطوائفه وتنوّعه بخير وأمن وأمان، وكل عيد ميلاد مجيد وإخواننا المسيحيون في كل مكان بسلام ومحبة وطمأنينة.
تبدأ السنة، ويبدأ معها كل منّا في جرد ملف السنة السابقة وضرب الإيجابي بالسلبي، مع الطموح بأن تكون السنة الجديدة أفضل وهكذا.
جميعنا يَحسُب العمر مع رفع آخر ورقة في التقويم، والغريب أن اللاشعور يبدأ فوراً في تغذية هاجس التقدّم في العمر والعجز بالنسبة للكبار، بينما يُسيطر القلق على الصغار لعدم تحقيقهم مشاريع أو أمنيات أو طموحات وضعوا لها جداول زمنية ارتبطت بأوراق التقويم فقط، ولم تُغيّر من هذا الهاجس مقولات طالما تطرّقَت للعمر وبكونه مجرد رقم، في تغيير مثل هذه الهواجس التي تجتاح الكثير من الناس ما إن تسقط آخر ورقة من تقويم السنة.
اختلفت الثقافات في تقدير العمر المناسب لأي نشاط أو عمل أو حتى طموح، ففي مجتمعاتنا العربية تبدأ مشكلة أو فكرة خريف العمر من سنوات الشباب، وبحيث يعزف الكثيرون عن التعبير والتصرّف في أمور كثيرة مُستكينين إلى هاجس العمر وبشكل مختلف جداً عن أقرانهم في الغرب، الذين غالباً ما يبالغون حتى في تقدير ذواتهم وتحدي قدراتهم في أي سن كانت، مراعين هنا أهمية الاختيار الشخصي والحرية.
لكن، وفي كلتا الحالتين، يبقى الشيء المؤكّد لدى الإنسان وبشكل عام أن الحياة ضيّقة وصغيرة وقصيرة جداً من أن تحتوي كل طموحات الإنسان وتطلّعاته ومشاريعه ورغباته، وأن أحداً لم يتركها بعد وقد اكتمل مشروعه أو طموحه.
في مقابل البشر تأتي الطبيعة بشكل مختلف ومغاير، فالطبيعة لا تشيخ ولا تهرم، بل تتحول عبر دورات مختلفة، لكل دورة جمالها الآسر، وإن كان للإنسان دور هنا في تحديد المظاهر الجمالية للطبيعة واختزالها في أنماط مُحدّدة، وهو ما حدَثَ في مصر القديمة وفي الإمبراطورية الرومانية، حين أصبح الاستخدام الرمزي للأشجار الدائمة الخُضرة شبه مقدس، فعلّقَت الشعوب القديمة آنذاك الأغصان الدائمة الخُضرة على أبوابها ونوافذها، حيث كان الاعتقاد حينها بأن الأشجار والأوراق الخضراء فقط هي الكفيلة بإبعاد السحرة والأشباح والأرواح الشريرة والمرض، وبأن الشتاء الذي جرّد الأشجار من لونها الأخضر يأتي كل عام لأن إله الشمس أصبح مريضاً، لذلك يحتفل هؤلاء بالانقلاب الشمسي لأنه يعني أن إله الشمس قد بدأ يتعافى وسَيُعيد لهم الأغصان والأشجار الدائمة الخُضرة.
يُقال إن شجرة الكريسماس الجميلة والمُزَيّنة بالنجوم والأضواء والألعاب قد أتت فكرتها من مصر القديمة وأساطيرها، وأن الفضل يعود إلى ألمانيا في بدء تقليد شجرة عيد الميلاد الحالية، وذلك في القرن السادس عشر عندما جلب المسيحيون أشجاراً مزخرفة إلى منازلهم، كما يُعتَقَد بأن مارتن لوثر، المصلح البروتستاني في القرن السادس عشر، هو أول من أضاف الشموع المضاءة إلى شجرة، وبأنه قد استوحى هذا الجمال من تألّق النجوم المتلألئة وسط الخضرة وذلك في إحدى ليالي الشتاء الباردة، وأنه من بعدها أصبحت الأشجار الدائمة الخُضرة جزءاً من الطقوس المسيحية في ألمانيا، ثم انتشرت أشجار أعياد الميلاد في العصور الوسطى وأصبحت تقليداً مرتبطاً بالكريسماس.
أياًّ كان الاعتقاد، تبقى رمزية شجرة الكريسماس جميلة ومُلهِمة، وتبقى الشجرة الصنوبرية الخضراء رمزاً لاستمرارية الحياة في الطبيعة، وهي تُشكّل كذلك تعبيراً خافتاً نابعاً من النفس البشرية الوجلة دوماً والخائفة من انكسار الخُضرة في عودها، حتى إن اللون الأخضر دائماً ما يرمز وفي كل الثقافات إلى الحياة في مقابل غيابها مع تحوّل لون الطبيعة إلى الأصفر المُغادِر.
تدور الأعوام وتمضي كالبرق، تسقط أوراق التقويم ويتلوّن الشجر، يغادرنا عام ويأتي آخر، وتبقى المحبة العنوان الأسلم لعلاقة بشرية دائمة الخُضرة، ولا نملك هنا إلا أن نَتَذَكّر، ونحن نعيش أعياداً مجيدةً وعاماً جديداً، دور السيد المسيح في نشر المحبة وهو الذي قال لرسله القديسين: “بهذا يعلم الجميع أنكم تلاميذي، إن كان فيكم حب بعضكم نحو بعض”.
كل عام والعالم بشعوبه وطوائفه وملله وألوانه بخير وأمن ومحبة، وعيد ميلاد مجيد للأخوة المسيحيين في كل مكان، وأعياد سعيدة ومُلهِمة ومُستدامة على الكون بأهله.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى