الأرشيف

عمل الخير.. حتى يعرف طريقه

[جريدة القبس 4/6/1992]

انتهت الحرب الأفغانية.. أو هكذا أصبح الأمر بالنسبة لنا نحن في منطقة الخليج والعالم العربي عموماً.. وفي هذا الوطن خصوصاً.. وانتهى التهديد والخطر الشيوعي الملحد.. أو هكذا كان يعني لنا الصراع في أفغانستان.. وسقوط حكومة نجيب الله هي الحد الفاصل بالنسبة لنا بين من انتصر ومن انهزم في تلك الحرب.
وبدأنا وعلى الفور بالبحث عن طريق جديد للجهاد تقرباً لله.. وكالعادة فقد كان متوفراً.. واتجهنا إلى الصراع الدائر في يوغوسلافيا.. وانفتحت طاقة جديدة للجهاد من خلال مناصرة المسلمين في البوسنة والهرسك، فما كان إلا أن أنزلت اللافتات التي تنادي بنصرة المجاهدين الأفغان وارتفعت بدلاً منها لافتات جديدة تنادي بنصرة المسلمين اليوغوسلاف في البوسنة والهرسك ضد انتهاكات أبناء جلدتهم.
طوال فترة الحرب في أفغانستان.. لم تتوقف الإمدادات والتبرعات سواء المعنوية بالدعاء في المساجد.. أو المادية بالأموال التي كانت ترسل لأفغانستان.. أو التطوعية بالانضمام لساحات القتال بين صفوف المجاهدين. ولم يضعف الحماس تجاه أفغانستان حتى في أشد سنوات الإبادة لشعوب عربية في لبنان والأرض المحتلة.. ولم تتحول دفة الحماس لأفغانستان حتى في ذروة الاجتياح الإسرائيلي للبنان.. والمجازر التي ارتكبت بحق المسلمين هناك.. ولا في قمة الإبادة للمسلمين في شمال العراق.. وامتلأ شباب كثير بحماس دفعهم في آتون حروب خفية دارت رحاها في ظلام صراعات سياسية وجغرافية وقبلية.
انتهت الحرب الأفغانية لتبرز صورة حقيقة ذلك الصراع الذي استهلك من أموال المسلمين وجهودهم الكثير.. بل وأرواح البعض الذين جرفهم الحماس للجهاد في سبيل الله إلى الوقوف في الصفوف الأمامية للمقاتلين.. واتضحت الصورة أكثر مع انسحاب الشيوعيين الملحدين.. حين تبين أن الصراع في أساسه لم يكن بين قوى الإلحاد وقوى إسلامية.. فالقتال لم يتوقف بانسحاب الروس (السوفيت سابقاً).. بل ازداد ضراوة على مدى عامين في صراع محتدم للفوز بعرش كابول من قبل فصائل أفغانية عدة، وقد استغل كل طرف الفرصة للاستمرار في المواجهة، بين قوات أحمد شاه مسعود من جهة، وتحالفات فصائل أخرى، منها الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، وحزب الاتحاد الإسلامي بزعامة عبد رب الرسول سياف، وسط مشهد معقّد تحكمه التناقضات القبلية والسياسية، ومع ذلك لم نتوقف نحن عن الدعاء للمسلمين كي يتقاتلوا فيما بينهم.. ولا بالإمداد المادي لشراء السلاح الذي أباح دم جميع الأطراف المتقاتلة.
الصراع لم يكن صراع إلحاد وإيمان.. وإنما كان صراع قوميات وطوائف يحاول كل منها.. وكالعادة في مثل هذه الصراعات.. تحاول خلق امتداد خارجي لضمان تدفق السلاح والمال.. والسؤال الآن وبعد أن اتضحت الصورة. مَن مِنَ المجاهدين الأفغان كان يتلقى كل تلك المعونات والإمدادات؟.. هل كانوا حزب “جمعيتي إسلامي” بقيادة الرسول سياف أم هم “حزبي إسلامي” جناح يونس خالص المنشق عن حزب حكمتيار؟
لا يهم كثيراً الآن.. من كان منهم يتلقى العون والإمداد.. ولا لمن كانت دعوات الجهاد ترفع.. ولكن ما يهم الآن أن لا نقع ثانية في مستنقع الصراعات العرقية.. والحروب الأهلية.. فالاحصاءات تقول أن في أفغانستان ثماني مجموعات عرقية.. بين مسلمين شيعة وسنة.. مما يجعل استمرار السلام والاستقرار الدائم مسألة في غاية الصعوبة.. هذا إلى جانب أن تفاصيل التاريخ تؤكد لنا حقيقة تلك الحروب والصراعات ذات النزعة الدينية.. والتي غالباً ما تستمر حتى الاستسلام غير المشروط أو القضاء التام على أحد الطرفين.. أو حتى الوصول إلى الإفلاس والعجز عن المتابعة.. والذي هو واقع الصراع الدائر الآن في يوغوسلافيا.. والمتأصل في تاريخ تلك الدولة.. وهو أمر لا يخفى على المنادين بنصرة المسلمين في البوسنة والهرسك.. فقد تضمنت إعلاناتهم مقتطفات تبرز الجذور التاريخية لهذا الصراع. عمل الخير مستحب.. ونجدة المظلوم واجب.. ولكن الدخول في متاهات الصراعات الطائفية والقبلية لن يحقق الغاية المرجوة من ذلك الخير وتلك النجدة.. ثم لماذا لا يكون عمل الخير.. وإعلاء راية الدين الحنيف إلا في ساحات الصراع والقتال.. وبين رحى الحروب الأهلية.
والعالم مليء بالمسلمين المسالمين الذين هم أحوج ما يكونون لهذه الأموال التي تبعثر على السلاح والتدريب على القتال.. وتمويل المقاتلين الذين سرعان ما يردون الطعن في نحور أقرانهم سعياً وراء السلطة والعرش.
لا يمكن أن نشك في حقيقة نوايا الشباب الذين دخلوا معسكرات الصراع الأفغاني سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.. ولا في الأسباب التي تدفعهم للدخول الآن في معسكرات صراع جديدة في يوغوسلافيا.. فهم نتيجة حتمية لحالة الإحباط الناتجة عن الانهيار السياسي العربي.. ونهاية طبيعية لحالات التذمر بدكتاتورية الأنظمة العربية.
حالات الإحباط المتمكنة من الإنسان العربي.. في مسلسل الهزائم والاستسلام في وجه العدو الصهيوني على مدى أكثر من أربعة عقود.. جعلت الكثير منهم يبحث في قضايا العالم الإسلامي عن منفذ يمارس من خلاله دوره الذي يمليه عليه ضميره تجاه أرضه وبلده ودينه.. بعد أن عجز عن أن يمارس ذلك بين أقرانه.. وفي وسط داره. ووجد الكثير منهم في الصراع في أفغانستان جهاداً يقربهم من دينهم.. وهم يجدون الآن في يوغوسلافيا روح الجهاد نفسها التي افتقدوا الطريق إليها من خلال جهادهم الأكثر لتحرير القدس.
لقد وجد هؤلاء طريقاً جديداً.. ومتسعاً أكبر لإثبات هويتهم.. بعد أن فقدوها في الإحباطات المتتالية على ساحة السياسة العربية.. ووجدوا في انتمائهم إلى عالم إسلامي.. ومساندتهم لحركات وقضايا إسلامية؛ وجدوا متنفساً كبيراً لعجزهم عن تأدية دورهم في عالمهم العربي.. واستخدموها كبديل عن فشلهم في توجيه دفة الجهاد نحو القدس.
ولكن المشكلة هنا.. أنهم قد يعلمون أولاً أنهم منفذون لمؤامرات تحاك في أروقة بعيدة جداً عن مساحات الجهاد التي ارتادوها.. وأن الحروب ذات النزعة الدينية غالباً ما تحاك فصولها بعيداً عن جبال أفغانستان.. وشوارع سراييغو.. تماماً مثلما كانت تحاك فصول الحرب العراقية – الإيرانية.. والحرب الأهلية في لبنان.
إن الصراعات الطائفية.. كالصراع الدائر الآن في يوغوسلافيا.. غالباً ما تأخذ شكل الصراع الدموي الذي يحصد الحياة بجنون.. وينتهي إذا ما انتهى إلى فترات ركود.. سرعان ما تشتعل.. وغالباً ما تكون تلك الصراعات أرضاً خصبة لإثارة النزعات بين فترة وأخرى.. وذلك استثماراً لحروب طويلة من ورائها يكون الخاسر فيها طرفا النزاع.. في مقابل انتصار تجار السلاح وسماسرة اللحم الآدمي.
إن العاطفة الدينية هي من أسمى العواطف الإنسانية.. وهي غالباً ما تثار لأغراض أبعد ما تكون عن مبادئ الدين السامية.. وقد لا تختلف إطلاقاً أننا جميعاً أثارتنا مناظر المجازر الواقعة في يوغوسلافيا والتي تثير أعتى القلوب قسوة وشراسة.. لكونها ترتكب بحق مدنيين عزل وليس مسلمين فقط.. فهكذا يجب أن ننظر إلى واقع الصراع في يوغوسلافيا.. حتى لا يكون إسلامهم هو ما يبرر استياءنا من تلك المجازر.. فضحايا الحرب من المدنيين العزل يقعون تحت طائلة الظلم نفسها..سواء كانوا مسلمين أم لا.
ويكفي القول في النهاية.. أنه وبعد زوال الحكم الشيوعي في أفغانستان وانفراد الإسلاميين الذين أيدناهم وبغض النظر عن أي اعتبارات أخرى إلا بكونهم مسلمين، أقول بعد انفرادهم بالسلطة بدا التناحر الداخلي بينهم على النفوذ على مناطق مزروعة بالمخدرات.. وأن أربعة مليارات دولار هي دخل منطقة أفغانية من الأفيون.. وأن مراجعة لبعض صفقات المخدرات في المنطقة قد أكدت أن مصدرها أفغانستان أو مشارك فيها أفغانيون.. وهذا ليس تشمتاً ولا نكاية بأحد.. ولكن تأكيداً على أن لكل حرب ولكل صراع وسائله ومناهجه الخاصة للتأثير على الرأي العام.. وعلى العواطف والاتجاهات.. وغالباً ما يكون الدين هو المرتع الخصب بهدف صرف الأنظار عن الأهداف الأساسية.. وهو ما يدفع بالكثيرين للسير في دروب يجهلون حقيقتها.
إن الحروب بحد ذاتها تشكل ظواهر من أكثر الظواهر تعقيداً وتشعباً.. لذلك فمن الصعب جداً أن يكون تفسيرها وتحليلها في ضوء عامل أوحد وحسب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى