
اختلف المواطنون في ردة فعلهم تجاه ما قام البعض بتوزيعه من منشورات تؤكد تحريم مشاركة النصارى في مناسبة الكريسماس، حيث شملت تلك المنشورات إرشادات لتجنيب المسلمين الوقوع في بعض (مظاهر الشرك) ومن ذلك عدم إلقاء التهنئة وعدم إرسال البطاقات للمسيحيين.. وعدم اقتناء شجرة الصنوبر لكونها عقيدة نصرانية.. بل وعدم استيراد أو بيع بطاقات التهنئة.. وعدم قبول أو تناول طعام بهذه المناسبة، وإلى ذلك من (محرمات).
نقول إن ردة الفعل تجاه تحريم مثل هذه الأمور.. جاءت متباينة.. فالبعض رأى فيها تطرفاً.. يجب التوقف عنده والتنبّه له.. وآخرون رأوا فيها حقاً في إبداء الرأي وحرية في التعبير.. بينما أيد البعض ذلك التحريم بحجة المعاملة بالمثل.. وهؤلاء استقوا حجتهم من أمثلة قائمة مثل المعاملة التي تتعرض لها الطالبات المسلمات في فرنسا. وبين هذه الآراء تبقى وكالعادة الفئة التي تقيس قوة الموج واتجاهه. لتركب حيث يعلو.
غير أن التساؤل الذي يطفو فوق كل تلك الآراء والرؤى. هو تساؤل بشأن.. أحد أهم المفردات التي اقتحمت قاموس السياسة الحديث على الرغم من أن الإسلام والقرآن الكريم قد جاء بها من قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام، ذلك ولا شك مبدأ “التسامح”.. والذي هو أساس الدعوة المحمدية.. وخلاصة الأخلاق التي تحلى بها نبي الأمة.. والذي لولا مقدرته الفائقة على التسامح لانفض الناس من حوله.. فلو أن الرسول c كان فظاً غليظاً لما استطاع أن يمتد بالإسلام ديناً كل ذلك الامتداد. والقرآن الكريم مليء بالدعوى إلى التسامح.. والتعايش مع الأديان الأخرى.. بل واحتواء البشر على اختلافاتهم F ﵟوَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡﵞ ﵝالرَّعۡد : ﵖﵜ F، بل إن إصرار أقرب المقربين للرسول.. في البقاء على أديانهم الوثنية.. لم تدفع رسول الله إلى مقاطعتهم، ونبذهم وهجرهم.. انطلاقاً من قول العزيز الحكيم: F ﵟعَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡﵞ ﵝالمَائـِدَة : ﵕﵐﵑﵜ F
التسامح.. والذي هو اليوم معلم حضاري.. ودلالة على تحضّر الدول وارتقائها.. بل وبند من أهم البنود في إعلان حقوق الإنسان. كان أبرز ما يميز شخصية الرسول c.. حتى أنه يقال أن جنازة عبرت ذات يوم أمام رسول الله.. فوقف لها خاشعاً.. فلما مرّت الجنازة.. تسابق من كان بمجلسه بالقول: يا رسول الله.. إنها جنازة يهودي.. فما كان من محمد c إلا أن يجيب بهدوء “سبحان الله، أليست نفساً.!”. بل لقد كان حريصاً على أن يرتدي رداء التسامح حتى في ساحة القتال والمعركة. فكان أمره للمقاتلين: “لا تقتلوا امرأة.. ولا وليداً.. ولا شيخاً. ولا تقطعوا شجراً.. ولا تحرقوا نخلاً.. ولا تمثلوا بأحد.. ولا تكونوا ناهبين.. واجتنبوا الوجوه.. لا تضربوها”. ذلك هو ألوب محمد c.. وذلك هو نهجه الذي جعل من الإسلام ديناً.. فيه متسعاً لغير المنتمين إليه.. ترسّخ ذلك من خلال حرصه على إبقاء التعايش والتعامل مع الأديان الأخرى.. وهو ما عبّر عنه النبي. بزواجه من غير مسلمات.. مع بقائهن على مللهنّ.
التسامح الذي اتصف به الرسول.. والذي كان أبرز صفات صحابة الرسول من بعده.. دفعت فيها أوروبا ثمناً باهظاً.. تمثل في دمار شل الحياة فيما بين القرن السادس عشر والسابع عشر حيث تحولت الأراضي إلى بؤر جرداء بفعل الحروب الدينية التي عصفت بها. والتي كانت نتيجة اللاتسامح والعنف الديني، أما نحن.. معشر المسلمين فقد حبانا الله بأكثر الأديان تسامحاً مع الأديان والشعوب الأخرى.. فالإسلام أكثر الأديان السماوية ذكراً لما قبله. واشتراطاً للإيمان بما سبقه من أديان كمدخل أساسي له F ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَـى ٱبۡنُ مَرۡيَمَﵞ ﵝالصَّف : ﵔﵑﵜ F.
ونعود إلى المنشور الذي يُحرّم مشاركة المسيحيين بعد أن أجازها القرآن ورسول الله.. فنقول أنه وعلى الرغم من تناقض ذلك الأسلوب مع روح الإسلام الحقيقية إلا أن ما يثير القلق هنا.. هو مدى التراجع الذي أصاب طموحات الحركة الإسلامية.. خاصة بعد الطابع السياسي الذي أصاب الدعوة الدينية.. والتي انطلقت الحركة الإسلامية من خلالها بناء على دعوة القرآن بالسعي إلى الدعوة للدين “وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”.
مشكلتنا الأساسية في المجتمعات الإسلامية بوجه عام.. ليست في تراجع الحس الديني.. ولا بتضاؤل أعداد المصلين. والمؤدين لعباداتهم.. ومشاركة (النصارى) في أعيادهم ليست السبب في الانحراف والفساد في مجتمعاتنا، بل ولعلّنا في هذا الوطن من أكثر المدركين لتلك الحقيقة.. فعلى الرغم من الإرساليات المسيحية التي كانت ترأس وتدير جهازنا الطبي وعلى مدى سنوات طويلة.. وعلى الرغم من أن تلك الإرساليات لم تخف هويتها ولا أغراضها وأهدافها الحقيقية.. بل وبالرغم من أن المرضى آنذاك كانوا يختمونه نهارهم بصلوات كنائسية. وبمباركة من المسيح تؤديها إدارة المستشفى.. على الرغم من كل تلك المؤثرات التي كانت قائمة.. إلا أننا لم نسمع أبداً أن ذلك كان سبباً في انتشار الفساد أو في الخروج عن الدين.
وسط كل مظاهر التخلف التي تلازم المجتمعات الإسلامية يبقى الانحراف عن الإسلام كدين أقلها بروزاً.. فالفقر والجهل والفساد التي تعم مجتمعات المسلمين. مصدرها الأساسي سوء إدراك وعدم توظيف لمصادر الحياة من حولنا.. فنحن نأكل مما يزرعه غيرنا.. ونستهلك ما يصنعه غيرنا.. ونسكن ما يبنيه غيرنا وكل ما نفعله نحن.. أننا نظل نلوم غيرنا على ما بلانا الله به.
