الأرشيف

“هلا شققتم من قلبه؟”

[جريدة الطليعة 28/6/1995]

قد لا يستطيع أحد أن ينكر غرابة الحكم الصادر بحق الدكتور نصر حامد أبو زيد.. وذلك لأسباب عديدة.. أولها.. إن حكم الارتداد أو الردة عن الدين يُعد مسألة في غاية الحساسية والحرج.. فالدين والعقيدة مكمنهما القلب.. وهو أمر يجعل الله سبحانه وتعالى وحده المطلع والعارف بهما!! لهذا فقد اكتفى الإسلام وذلك لقصور في قدرات البشر على الاطلاع على ما يحويه القلب.. باعتماد قول الشهادتين وذكرهما كدلالة على إسلام الفرد من عدمه!! وبذلك فإن دعوى الارتداد عن الدين لا تنطبق على الدكتور “نصر أبو زيد” لأنه ناطق ومعلن جهراً للشهادتين!! بل لقد اعتبر نبي الأمة محمد c أن الشهادتين باب الدخول في الإسلام.. فقد جاء في السيرة النبوية أن عمر بن الخطاب في إحدى الغزوات مع النبي c.. كان قد استل سيفه ليقتل أحد المشركين أثناء المعركة.. إلا أنه أي المشرك سرعان ما نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله!! غير أن عمراً G سرعان ما بادره بطعنة من سيفه قضت عليه!! ولما سأله الرسول c لماذا قتلته وقد نطق بالشهادتين.. قال عمر.. والله ما نطقهما إلا خوفاً من سيفي!! فعاتبه نبي الله قائلاً: “هلا شققت عن قلبه” وأين ستذهب بشهادة أن لا إله إلا الله يوم القيامة”؟!!
ذلك كان أولاً.. أما ثانياً فإن الدكتور “نصر أبو زيد” ليس أول من تحدث في قضية التفسير والتأويل.. وليس وحده من المفكرين الإسلاميين من آمن بألوهية النص.. وببشرية التأويل!! فلقد طرح من قبل طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” قراءة لبعض النصوص الدينية المتصلة بالوقائع التاريخية!! وجاء من بعده أستاذ علم الأديان الدكتور “محمد أركون” ليطرح الحدث الإسلامي في مساره التاريخي وعلى ضوء معطيات البحث العلمي المعاصر!! أي أن الدكتور “نصر أبوزيد” ليس الأول في هذا الطرح.. ومع ذلك لم يكفّر هؤلاء.. ولم يتهموا بالزندقة والخروج والارتداد عن الإسلام. ولم يحكم بتطليقهم من زوجاتهم وتفريقهم عن أهل بيتهم!!
مما لا شك فيه أن قضية الدكتور “نصر أبوزيد” لم تستطع أن تتنصل من وجهها السياسي المفضوح.. بل لقد فُرّغت القضية تماماً من أي محتوى ديني إسلامي.. حين تم تجاهل إعلان الدكتور “أبو زيد” ونطقه للشهادتين علانية وجهراً!! وهو أساساً ما أثاره الدكتور “أبو زيد” في أكثر كتاباته حين أثار الوجه السياسي للخطاب الديني المعاصر.. فهو يقول في ختام كتابه “نقد الخطاب الديني” “إن الخطاب الديني لا يعمد إلى إخفاء الأسئلة لأنه يجهلها، بل لأن إثارتها تتناقض ومصالح القوى التي يعبر عنها ويساندها.. وقد أثار منذ عدة أشهر أمر (ضريبة التركات) و(رسم الأيلولة). واكتشف فجأة أنهما حرام وأن الدولة لا يصح أن تكون وريثاً هكذا مع الورثة الشرعيين!! وما كان للخطاب الديني أن يصل إلى اكتشافه المذهل ذاك، لولا أن توجه الطبقة المسيطرة والموجهة له ضد العدل الاجتماعي الذي هو غاية التشريعات ومغزى دلالة النصوص.. إن وقوف الخطاب الديني عند المعاني ينتهي في التحليل الأخير إلى الارتداد بالواقع وتجميد النصوص في الوقت نفسه. وهي نتيجة لا يمكن أن يقر بها لأنها تفقده مبرر وجوده ذاته” انتهى.
وعلى الرغم من أن الكثيرين سواء كانوا رجال دين أو دولة.. قد استنكروا حكم الردة الصادر بحق الدكتور “أبو زيد”.. ورأوا فيه تفويضاً للحرية.. وللإبداع.. وتعارضاً مع مبادئ الإسلام المتسامحة!! غير أن استنكارهم قد جاء بطيئاً متخاذلاً.. ومتشحاً برداء الخوف والرهبة من عقاب الجماعة.. وحماة الإسلام السياسي!! وفي هذا الخوف تكمن المعضلة.. فقد تبدو حالة الدكتور “أبو زيد” حالة فردية.. وحكماً صدر بحق شخص رأى البعض فيما طرحه من فكر مساساً بالقرآن.. وبالسنة!! غير أنها ولا شك تطول المجتمع بأفراده.. وتتضمن رسالة واضحة وصريحة عن مدى تمكن جماعات الإسلام السياسي من المجتمع العربي.. ومدى سيطرة أسلوبهم في الإرهاب الفكري.. الذي طالت يده شرائح كبيرة من مجتمع المثقفين على امتداد الخارطة العربية!! وقد كانت تلك الرسالة واضحة وصريحة في بيان جماعة الجهاد التي أهدرت دم الدكتور “أبو زيد”.. وقد كانت تلك الرسالة واضحة وصريحة في بيان جماعة الجهاد التي أهدرت دم الدكتور “أبوزيد”.. من خلال تهديدها بهدر دم كل من ينكر أو يعترض على الحكم تحت (دعاوى زائفة) على حد تعبيرهم مثل حرية التعبير وحرية الرأي!!
لا شك بأننا وكمجتمعات إسلامية.. قد أخذنا بالابتعاد عن روح الموعظة والمجادلة الحسنة.. التي أسرت قلوب الكفار.. واهتدوا بفضلها إلى دين الله!! بل ولقد أصبحنا نعيش بمنطق العصور الأوروبية المظلمة.. حين كانت أداة الحوار آنذاك بين العلماء والفلاسفة من جهة.. وبين رجال الكنيسة والدين من جهة أخرى.. هي الحرق والتمثيل والموت!! وهو ما لسنا بحاجة إليه وفقاً لشمولية الدين الإسلامي.. فإذا كانت الكنيسة قد عجزت في ذلك العصر عن التوفيق بين العلوم الحديثة التي بدأت تشق سماء أوروبا آنذاك.. وبين التعاليم والنصوص الدينية!! فإننا لم ولن نكون عرضة لمثل ذلك التعارض بين العلم والدين.. لأن بأيدينا نصوصاً قرآنية تحوي إجابات شافية تستطيع أن تصمد وسط التحولات العصرية والعلمية!! وهو ما يسعى إليه الدكتور “نصر أبو زيد” وغيره من علماء أثروا الإسلام بتفسيرات عصرية.. تزيد من حقيقة وصلابة الصلاحية لكل زمان ومكان!! وترسخ التوافق بين الدين والحياة!!
الدكتور “أبو زيد” يطمح من خلال جهوده إلى الوقوف على مغزى النصوص الدينية.. واستخراج دلالاتها لبناء وعي علمي قائم على النصوص الدينية!! غير أنه يصطدم كما غيره من قبل بأولئك الذين تصطدم أغراضم ومصالحهم مع كل زيادة في هذا الوعي العلمي بالتراث الديني!! والذي يزيد الإسلام رسوخاً. والمسلم يقيناً بسماحة هذا الدين وشموليته ليبقى على هامشه أولئك الذين لا يرون في الإسلام سوى تغيير للمنكر باليد.. وبالعنف.. متناسين أن رسول الأمة قد أسقط بناءً اجتماعياً شاملاً.. كان قائماً في زمن الجاهلية.. بلسانه!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى