غير مصنف

لِيَبْلوكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنَ عَمَلاً

[جريدة القبس 29/9/1997]

**الدين الذي مارسه آباؤنا وترعرعنا في كنف تسامحه ودفئه ورقيه كان بالنسبة لنا أخلاقاً ومعاملة وتسامحاً، أما اليوم فقد تلاشى هذا الجانب الأخلاقي منه فضاع النشء وتاه في جدليات أكبر من إمكانياتهم العقلية**
* * *
بتثاقل وهم واضحين، ألقى حامد بسؤاله الجائر، والذي يفوق بكثير سنوات عمره الغض، حول أحقية المسيحيين بالجنة، وعما إذا كان لأهل الكتاب من غير المسلمين حق في التمتع بجنان الله ورحمته.
المؤسف هنا أن حامد هذا ليس وحده الذي انشغل ذهنه بأمور وتساؤلات جدلية كهذه تتعلق بالدين والعقيدة والإيمان، فلقد أصبحت مثل هذه التساؤلات محور حديث جيل اليوم، وجل انشغالهم وقلقهم.
لا نرمي من وراء حديثنا هنا أن نجادل في قضية الحساب والثواب، والجنة والنار، فتلك أمور مطلقة للخالق الرحمن، لا يملك البشر أن يعبثوا بها أو أن يفتوا بشأنها.
F ﵟٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِﵞ ﵝالحَج : ﵙﵖﵜ F.
وفتوى البعض وإيحاؤهم بأن لا جنة لأهل الكتاب لا شك تأتي مناقضة تماماً لقول العزيز الحكيم F ﵟمَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨ﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵘﵙﵜ F.
لذا فإن التعامل مع تساؤلات حامد وأقرانه والإجابة عليها، لم تكن لتجد أفضل من كتاب الله ونهج رسوله c مصدراً شافياً لإعادة الطمأنينة والسكون لنفوس النشء من أبناء هذا الجيل، فرسول الأمة c حين هاجر إلى المدينة، كان يأكل من أكل أهل الكتاب، ويشرب منهم، ويتزوج من نسائهم. فقط كان عليهم دفع الجزية ليدافع عنهم جيش المسلمين. وهو أمر إن دل على شيء فإنما يدل على درجة التسامح التي يحظى بها الدين الإسلامي، وعلى روح الإسلام الراقية في تعاملها مع البشر.
لعلنا جميعاً نتذكر، نحن جيل الآباء والأمهات الحاضر، كيف كان للدين دوره المباشر في تنشئتنا الأخلاقية. وكيف كانت سيرة الرسول c وأخلاقه ونهجه في التعامل مرجعنا الأساسي في تعاملنا مع مجتمعنا سواء كان في محيط الأسرة أو في جو الدراسة، لقد كان الدين بالنسبة لنا أخلاقاً ومعاملة وتسامحاً، حتى لقد كان ذلك يدخل في أدق تفاصيل تعاملاتنا وتصرفاتنا، كان الدين أن نحترم ما حبانا الله به من نعمة طعام وشراب، فكنا جميعاً، أطفالاً وصغاراً، نحرص على التسابق لالتقاط ما قد يسقط من الطعام في الطريق، لنرفعه ونقبله قبل أن نضعه في مكان آمن من أرجل السائرين. وكان الدين أن ننأى بكلام الله وحديث رسوله عن انحرافاتنا الأخلاقية، فكان أكثر التلاميذ خبرة ومقدرة في الغش في الامتحان، يمتنع عن ممارسة غشه في مادة الدين والعبادات.
ذلك كان هو الدين الذي مارسه آباؤنا، نحن جيل آباء وأمهات الحاضر، وتمتعنا حينها كأطفال وصغار بطمأنينته، وترعرعنا في كنف تسامحه ورقيه ودفئه.
اليوم اختفى وتلاشى ذلك الجانب الأخلاقي من الدين، وتجاهلنا في خضم صراعاتنا السياسية وتنافسنا الاقتصادي النفعي البحث عن روح التسامح والمحبة التي أعلنها رسول الله c حين أعلن “قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل”. تلاشى كل ذلك وأصبح جل اهتمام النشء من صغار وشباب من سيدخل النار ومن سيحظى بالجنة. وشغلهم الشاغل لا يتعدى تساؤلهم عما إذا كانت غير المحجبة كافرة أم هي مسلمة عاصية، وعن مقدار نصيبها من العذاب.
إن الدين كان وسيبقى دائماً المدخل الآمن للتربية، والبداية الأولى والمضمونة لتلقين الأخلاق ومبادئها. وإذا كان هنالك ما يميزنا كمجتمعات إسلامية عن المجتمعات البشرية الأخرى، فهو اعتمادنا المباشر على الدين في زرع بذور الأخلاق والقيم، وفي رعاية وتنشئة الفرد بما يعود على مجتمعه. وهو أمر لا شك يسهل عملية الانضباط في المجتمع ويساهم في تريض النزعات الفردية اللاأخلاقية الضارة بالمجتمع وبأفراده.
اليوم، نحن نكاد تفقد ذلك الجانب الحيوي والهام من الدين بعد أن تاه النشء في جدليات هي أبعد بكثير من مقدرتهم الفكرية والعقلية. وبعد أن طغى الجانب الشكلي البحت على روح الدين وأصبحت المحجبة من أهل الجنة، والسافرة من أهل النار، وأهل الكتاب لا أمل لهم في رحمة أو غفران إلهي، ومتجاهلين بذلك قول العزيز الحكيم: F ﵟٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاﵞ ﵝالمُلۡك

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى