الأرشيف

منطق الخليفة “سليمان”

[جريدة الطليعة 2/2/2000]

ورد في كتاب “وعاظ السلاطين” للدكتور علي الوردي قصة قد يفيدنا ذكرها هنا في إيضاح ما نحن بصدده من حديث، تقول القصة ما يلي: “يروى أن الخليفة سليمان بن عبدالملك كان يتنزه ذات يوم في بادية فسمع صوتاً يغني من بعيد. وكان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعتبره خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بخصاء المغني.. وقد خصي المسكين فعلاً”.
مغزى القصة واضح وجلي، فالخليفة هنا قد اعتبر نفسه حكماً ووصياً على الأخلاق والفضيلة، وأعطى لنفسه الحق في أن يكون مسؤولاً عن محاسبة البشر بهذا الشكل!! وأن يكون تصوره الشخصي ورؤيته الذاتية مقياساً ومعياراً لأصول الأخلاق، ولمبادئ الفضيلة!!
قد تكون بيننا وبين هذه القصة قرون طويلة، لكن ذلك وبكل أسف لم يغير شيئاً من ثقافة الحريات والحقوق بشكل عام والتي لا تزال سائدة في مجتمعاتنا العربية بشكل عام!! ولا يزال البعض ينصب نفسه وصياً على الأخلاق والفضيلة، وحكماً فيما يجب وما لا يجب قوله أو ذكره أو حتى الرمز والإشارة إليه، وبسبب سيادة تلك الثقافة الضيقة، فإن مسلسل الحجر على الحريات وانتهاك الحقوق سيبقى مألوفاً ومتكرراً، آخرها وليس أخرها كان في الحكم القضائي الصادر بحق ليلى العثمان، وعالية شعيب، ويحيى الربيعان!!
إن ما يقلق حقاً في قضايا الحجر على الرأي والفكر ليس العقوبة سجناً كانت أم غرامة بل حالة الانغلاق والانعزال التي سنعاني منها مع دخول العالم ألفيته وبزوغ ثقافة حقوقية جديدة تتحدث عن حقوق الملكية الفكرية والحق الإنساني الجديد في امتلاك المعلومة وفي تسويقها، وتسجيل تلك الحقوق تحت قوانين دولية معترف بها وصارمة في بنودها!!
لقد طرأت على عالمنا مع التكنولوجيا الحديثة متغيرات جذرية طالت الكثير من مفاهيمنا ومقاييسنا السابقة وذلك بسبب الثورة المعلوماتية التي أعلنت عن ولادة عالم جديد بفكر جديد وعقل مختلف، وتغير مع هذا التحول الهائل التقسيم السياسي للعالم، وأصبحت هنالك دول قوية ومسيطرة بفعل سيطرتها على الإعلام ودول أخرى ضعيفة لا تملك أدوات الصراع الجديدة، فخضعت بالتالي للأقوى إعلاماً وفكراً!!
كما أصبح مقياس التميز الاقتصادي رهن صناعة المعلومة، وأصبحت الدول الغنية هي الدول التي تملك تلك الصناعة وتصدرها إلى الدول الأقل حظاً في ميزان الثورة المعلوماتية!!
هي إذاً حالة انغلاق وانعزال أصبحت تعترينا منذرة بتدهور سيسقطنا حتماً من كل البرامج والخطط العالمية الحديثة، حيث اختلفت معايير الانتماء للعالم الجديد، وأصبح محور الصراع فيه بين من يملك المعلومة ورأس المال وبين من يفتقدهما، وتراجعت أهمية الدول والكيانات السياسية التقليدية وحلت محلها الشركات العملاقة، ومؤسسات الإعلام التي بدأت تدافع عن حقوقها الفكرية بشراسة وقوة وتتحكم برؤوس أموال نشطة وضخمة، تحرك جيوشاً وتسقط حكومات، وتحول كيانات سياسية بأكملها!!
وسط كل هذه المتغيرات، وفي زخم هذا الصراع العنيف كماً ونوعاً يأتي قانون كقانون المطبوعات شاذاً، ويكون سجن الكلمة والرأي والفكر قبيحاً ومرهقاً معنوياً وسياسياً خصوصاً إذا ما جاء من قلب وطن طوّر أهله دستوراً حضارياً يقدس الحريات على اختلافها، ويندمج مع الثقافات الأخرى بتواصل حداثي ناضج!!
إن قضية الناشر يحيى الربيعان والأديبتين وقبلها قضية الدكتور أحمد البغدادي تنذر بلون جديد من ألوان الصراع السياسي الذي لا يخضع لأدبيات وسلوك الصراع التقليدي حيث يسعى البعض فيه لوأد الآخر ونفيه وليس إلى مجابهته ومعارضته ومحاججته!! وهو إذاً صراع سلبي لا يؤدي إلى الحركة وإنما إلى الجمود والشلل!! ويتضاعف الخطر حين يكون الدين والعقيدة مطية المتصارعين هنا، وكما هو الحال الآن في قضايا الحسبة مؤخراً!!
لقد خصى الخليفة سليمان بن عبدالملك ذلك المغني المسكين لأنه خائف منه وعاجز عن مواجهة احتمالات تأثيره على النساء، وهو أيضاً حال الخائفين منا والوجلين من صوت الرأي الحر والفكر الحداثي غير المنغلق!! ممن وجدوا ضالتهم في منطق الخليفة “سليمان بن عبدالملك”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى