غير مصنف

الإصلاح بالقتل!!

[جريدة الطليعة 26/4 - 2/5 2000]

الطريقة التي تعامل بها المجتمع رسمياً كان أم شعبياً مع قضية طالبة المعهد التجاري تعبّر وبشدة عن أسلوبنا الهزيل كدولة وكمجتمع في التحاور مع أنفسنا ومع الآخرين وطرقنا الملتوية في مواجهة مشاكلنا وقضايانا وأخطائنا بشكل عام!!
فالجميع سواء كان مع الطالبة أم ضدها يحاول بشكل أو بآخر “التستر” على القضية و”لملمة” ذيولها لكي لا ينكشف المستور ويشمت من يشمت أو يستهزئ من يستهزئ!!
من الضروري جداً أن تستمر هذه القضية في مسارها وألا نمارس معها أسلوبنا المعهود في “التستر” وعدم التصعيد وحفظ التفاصيل والقضية حفظاً للمجتمع ولتقاليده وأعرافه ونمط “الأسرة الواحدة” المتصلة والمتواصلة!!
أطراف القضية الأهم هم من تيارات الإسلام السياسي المتشدد والمتطرف في بعض أطرافه ومنتسبيه ممن مارسوا العقاب والقصاص بحق الطالبة، ثم أثاروا تفاصيل أخرى تمس القضية وذلك بهدف الدفاع عن أنفسهم، لكنهم وبكل أسف أخفقوا في ذلك سواء من وجهة نظر دينية أو قانونية!!
فالدفاع بالدين الذي انتهجه بعض أقطاب التيار الإسلامي المسيس من الذين خرجوا علناً وعبر أجهزة إعلام مرئية ليرووا بالتفصيل حيثيات تتعلق بالقضية وذلك الدفاع بالدين ومن خلاله يأتي مناقضاً لتعاليم الإسلام ومتناقضاً مع روح الدين وتعاليم الرسول c التي تقول إن من شيم المسلم وأخلاقه عدم التشهير بالغير وفضح عوراتهم ولأن من ستر عورة مسلم، ستر الله عنه عورات يوم القيامة!! إذاً الإسلام كدين وكنهج لا يحرض على التجسس ولا على كشف عورات الآخرين حتى وإن كان الدافع من وراء ذلك إصلاحاً أو تهذيباً!! ونذكر في هذا المجال قصة الخليفة “عمر بن الخطاب” الذي تسلق يوماً سوراً لأحد المنازل بهدف كشف مجموعة من شاربي الخمر، وحين جابههم بخطأهم جابهه أحدهم بأن الخليفة قد اقترف ذنبين ينهي عنهما الإسلام، وهما التجسس على الآخرين ودخول البيوت من غير أبوابها. فوافقه الخليفة عمر G في ذلك!! لقد خسر الأخوة “المصلحون” ثواب الإصلاح حين أباحوا لأنفسهم التجسس على الآخرين، ثم التحدث بما تحدثوا به عن فتاة مسلمة.
ولتتضح الصورة فيما بعد ويتأكد الجميع أن هنالك أغراضاً وأهدافاً أخرى من وراء حملاتهم الإصلاحية، وهي أهداف أبعد بكثير من مجرد أمر بمعروف أو نهي عن منكر!! لكن ما يخيف هنا ويقلق أنه إذا كان للدين رب يحميه من انفعالات هؤلاء وشطحاتهم الإصلاحية!! فإن ذلك لا يتوافر في القانون الوضعي!! لذا فإن اختراقه أو تجاوزه يضعنا جميعاً كمجتمع وكدولة في موقف لن يحسدنا أحد عليها إطلاقاً!!
لقد لبس هؤلاء بفعلتهم ضد الطالبة، رداء القضاء، فحاكموا وحكموا ونفذوا، وبذلك فهم قد تجاهلوا وجود الدولة بسلطاتها الثلاث، ومارسوا “حكم” “دولتهم” وتشريعاتها!! وهو أمر خطير جداً، وقد يقودنا إلى مثل ما نشهد من مآس في بعض الدول التي أصبحت فيها الأحزاب والتكتلات السياسية ذات سيادة وحكم ذاتي تمارس سلطتها. ونفوذها، وتصدر أحكامها وقوانينها، ولتنزلق فيما بعد تلك الدولة في آتون العنف والإرهاب وتجويع النفس والبدن.
لقد أيقظت قضية فتاة المعهد التجاري فينا جميعاً هاجس الخوف من احتمال انزلاق الإخوة “الإصلاحيين” فيما انزلق فيه آخرون تغلب لديهم طموح المال والمنصب على دافع الدين بنزاهته وعفافه وسماحته!! لذلك فإنها قضية لا تخص الفتاة وحدها ولا أسرتها وحسب، بل تمسنا جميعاً كأفراد وتستدعي إصرارنا جميعاً على الاستمرار في كشف دوافعها وأسبابها لكي يعاقب الجاني وتبرأ ساحة المجني عليه!! وإذا كان الإخوة “الاصلاحيون” قد تصوروا بأنهم قد أحرجوا المجتمع وأسرة الفتاة، والقضاء وذلك بإدلائهم بمعلومات حول مكان الحادث وموقعه فأنهم مخطئون جداً.
لأن دفاعهم الهجومي هذا لم ولن يقلل من جريمتهم إن لم يضاعفها، وذلك لأنهم قد اقتحموا هنا حق الدولة وسلطتها من خلال تطبيقهم قوانينهم الذاتية والتي لا نص لها أو تشريع في قانون الدولة!!
لا نعلم بعد ماذا سينتج عن هذه القضية لكننا نأمل أن تكون مدخلنا نحو مواجهة حقيقية وحاسمة مع تلك الدويلات الطفيلية التي أصبحت تنمو في جنباتنا وتقتات من خوفنا وترددنا وتدعي زوراً إصلاحاً.. ولكن بالقتل!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى