الأرشيف

رسالة إلى السفير الأمريكي

[جريدة القبس 3/4/2002]

لا يمكن أن يفهم أحد ما يعنيه البعض بأمريكا الجديدة المولودة فيما بعد تاريخ الحادي عشر من سبتمبر إلا إذا اقترب جيداً بصورة تمنحه احتكاكاً أكبر بالسيكولوجية الأمريكية الجديدة، وهو ما حدث معي حين تقدمت بطلب تأشيرة دخول لحضور مؤتمر يعقد في إحدى الولايات الأمريكية.
لقد كانت إجراءات منح الفيزا الأمريكية من أكثر الإجراءات سهولة، حيث يتميز القانون الأمريكي بمرونة جعلت من الولايات المتحدة وطوال سنوات طويلة مقصد طالبي العلم والعمل والعلاج والاستثمار والسياحة! وذلك قبل أن تتعرض تلك المرونة لوساوس وشبهات الحادي عشر من سبتمبر!
قد لا يجادل أحد في حق أمريكا والأمريكان في حماية أنفسهم وممتلكاتهم ومؤسساتهم، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب المكتسبات الأمريكية سياسية أو غيرها، تلك المكتسبات التي أهلت أمريكا لسيادة العالم وقيادته! أهمها على الإطلاق احترام حقوق الإنسان والمرونة في التعاملات والإجراءات، وسياسة استقطاب الكفاءات والعقول من كل المشارب والدول والأجناس!
دخول السفارة الأمريكية في الكويت يعتبر بحد ذاته مغامرة! فالمنطقة التي تقع فيها السفارة هي أشبه ما تكون بالسجن أو الحصن الكبير، حيث تقف سيارات المراجعين بعيداً عن أسوار السفارة المحاطة بكافة أشكال الحواجز الإسمنتية والحديدية! وما إن تقترب من البوابة الرئيسية حتى يوقفك مسؤول أمني يخضعك للتفتيش الآلي واليدوي، لتدخل فيما بعد إلى الساحة المزروعة في قلب السفارة! وحين تتصور أنك قد أنجزت مراسم الدخول، يخرج عليك حاجز تفتيش آخر ليقوم الموظف فيه بإعادة التفتيش مرة أخرى! وذلك قبل أن تدخل إلى مكتب تصاريح الدخول إلى الولايات المتحدة! حيث يصطف المتقدمون بطلب الفيزا بانتظار استجواب الموظفين المسؤولين! وهنا يخيل للمتقدم أنه قد دخل خطأ سفارة كوبا أو السفارة العراقية، حيث يبدأ الموظف المسؤول بطرح الأسئلة التي غالباً ما تكون استفزازية وخارجة عن مضمون طلب التأشيرة!
لقد أحسست بالشفقة من حالة الذعر والخوف التي أصابت الأمريكان وانعكست على الكثير من قراراتهم وإجراءاتهم! وهي حالة المطلوب من أمريكا أن تخرج منها وبسرعة، لأنه ليس من حقها أن تصاب بذلك الذعر والخوف خصوصاً أنها قد تعهدت بإدارة شؤون أهل الأرض بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي وولادة النظام العالمي الجديد! إذا ليس من حق أمريكا أن تنعزل وتنغلق عن العالم من حولها بهذه الصورة، خصوصاً أن التاريخ يؤكد أن العزلة الأمريكية في أعقاب الحرب الأولى قد ساهمت، وبصورة مباشرة، في خروج هتلر وفي حدوث الحرب العالمية الثانية!
والسؤال هنا هو: هل يمكن أن تحقق أمريكا أمناً حقيقياً من خلال إجراءات وقائية كمضاعفة أجهزتها الأمنية، أو التشدد في الدخول إلى أراضيها أو في بناء سفارات ترسانية؟!
سؤال نشك أن تكون الإجابة عنه بنعم، لأن الأمثلة والروايات من التاريخ تؤكد لنا أن القوة لا تفرض الأمن، والاستقرار لا تحققه الاحتياطات العسكرية، أما الأمان فمفتاحه سيادة العدل والعدالة ولا شيء ثالثهما!
ووددت لو أوجه هذا المقال إلى السفير الأمريكي في الكويت لأنه يشكل حلقة الوصل بين الرأي العام الكويتي وبين الإدارة الأمريكية! ووددت كذلك لو أن سعادة السفير يتقبل مثل هذا الحديث الذي ينطلق من جوف وطن علمته تجربة الاحتلال أن القوة لا يمكن أن تكون وحدها معول الأمن والأمان!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى