
المقص الذي هز مطار كنيدي
سنحت لي الفرصة مؤخراً أن أكون ضمن مجموعة من مدرسي اللغة في جامعة الكويت لحضور مؤتمر عالمي يعقد سنوياً لمدرسي اللغة الإنكليزية لغير الناطقين.
وقد كانت تجربة مثيرة على كل المستويات، أهمها تجربة اللقاء بتلك الأعداد الهائلة من البشر الذين حضروا المؤتمر، حيث تجاوز عددهم العشرين ألفاً، مجاميع هائلة من الناس ينتمون إلى ثقافات وجنسيات وتوجهات مختلفة يجمعهم انتماء مهني واحد وحقل وظيفي متشابه ومرتبط لكل ما يتعلق بتعليم اللغة الإنكليزية، وبالإضافة إلى ما يشكله هذا الجو من إثارة ومتعة! فقد كان الوجه الأمريكي الجديد، الخارج من فوهة الحادي عشر من سبتمبر، لا يقل إثارة ودهشة! فالذين عرفوا أمريكا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات لن يتمالكوا حبس مشاعر الدهشة المصحوبة بالحزن لما آلت إليه الروح الأمريكية المنطلقة والعفوية من خدش وجرح بليغ انطبع وبشراسة على كل معالم الحياة في هذه القارة الشاسعة جغرافيا، والمتلونة بشرياً وعرقياً وعقائدياً.
كان أول لقاء لنا مع أمريكا الجديدة في مطار “جون ف كنيدي” في نيويورك هذا المطار الذي يحمل اسم واحد من أشهر ضحايا العنف في التاريخ الحديث! هبطت بنا الطائرة بعد أربع عشرة ساعة من الطيران المتواصل لتصدمنا وبقوة تداعيات الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة، التي ألقت بظلالها وبصورة مخيفة على كل شيء حولنا، فالبشر فيه أكثر عنفاً وتطرفاً من عنف أفلام الكاوبوي، والإجراءات تتم بصورة بدائية، حيث يستعين المسؤولون بحناجرهم لإعلان إقلاع الطائرات وأرقام البوابات للرحلات المغادرة، أما كاونترات التفتيش فحدث ولا حرج، حيث يصطف المسافرون بشكل فوضوي ويلقون بحقائبهم وعفشهم الذي تناثر في كل ممرات المطار معيقاً الحركة ومسبباً مصادمات مؤسفة بين المسافرين! أما المحظوظ في هذا المطار المنكوب فهو الذي لا يخضع إلا لأربعة أو خمسة حواجز تفتيش فقط؟!
ولأننا لسنا من المحظوظين فقد خضعنا لأحد عشر حاجزاً للتفتيش بسبب مقص صغير وجدته إحدى مسؤولات الأمن في حقيبة يدي الخاصة! وعلى الرغم من كل محاولاتنا للتنازل عن المقص (الجريمة) ومناشدتنا مسؤولة الأمن الاحتفاظ به، إلا أن ذلك لم يكن سهلاً على الإطلاق، حيث أصرت أن نتبعها لكي نضع المقص في حقيبة السفر المتجهة مباشرة إلى الطائرة! وقد تطلب ذلك القفز وبصورة ماراثونية للحاق بطائرتنا المغادرة إلى ولاية “يوتا”، حيث المؤتمر، ومن ثم العبور بإحدى عشرة نقطة تفتيش نخضع فيها نحن وأمتعتنا للتفتيش المختبري الدقيق، حيث يتم أخذ عينات من مسام أيدينا وأرجلنا، بالإضافة إلى أمتعتنا وإدخالها في أجهزة دقيقة، وما عليك عزيزي القارئ إلا أن تتخيل حجم الجهد والإرهاق الذي صاحب هذه العملية، خصوصاً أننا نسحب أمتعتنا في ذلك السباق الماراثوني! وبخلاف أجهزة الفحص والتفتيش الدقيقة والحديثة، فإن كل ما يحيط بنا من إجراءات كان بدائياً بصورة غريبة! ولم تخلُ بدائية الإجراءات من سلوك عدواني ومستفز سيطر على تعاملات مسؤولي الأمن مع المسافرين بشكل عام، وهو سلوك كان متناقضاً وبشدة مع الروح الأمريكية المنطلقة والعفوية والمرحبة إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر!
وإذا كان المقص قد استنفر مطار “جون ف كنيدي”، واعتبره مسؤولو الأمن فيه أداة خطر وإرهاب! فإن الإبرة قد أثارت الأمن في مطار “ريغن” في واشنطن حين أصرت مسؤولة الأمن هناك على اعتبار إبرة صغيرة مشبوكة بخيوط لا يتعدى حجمها السنتيمتر المربع أداة خطر، وبالتالي فإن لها الحق في مصادرتها، وهو ما حدث فعلاً!
الغريب في الأمر أن إجراءات مشددة كهذه لم تمنحني إحساساً بالأمن، وإنما على العكس من ذلك تماماً، فقد راودني إحساس بالخوف وأنا أتنقل في المطارات الأمريكية الداخلية، وجعلني أدرك كم هي مهددة الحياة في هذه القارة القوية عسكرياً والكبيرة جغرافياً، وكم هم مهمشون ومهددون سكانها وقاطنوها! وكيف أن بلد الحريات لم ينجح في خلق مواطنين أحرار ـ على الأقل ـ من الخوف، ولنا في ذلك حديث آخر في الأسبوع المقبل!
