
حرية بلا أحرار
في المقالة السابقة استعرضنا بعضاً من مشاهد الذعر التي أصابت المجتمع الأمريكي في أعقاب هزة الحادي عشر من سبتمبر، التي ألقت بظلالها على السيكولوجية الأمريكية بصورة أربكت الكثير من مقومات المجتمع الأمريكي وملامحه، خصوصاً ما يتعلق منها بمفاهيم الحرية والحقوق بشكل عام.
واليوم في هذه المقالة سنحاول أن نرصد بعضاً من أبعاد زلزال سبتمبر على الإعلام الأمريكي وعلى تفاعل المواطن هناك مع ما تبثه شبكات الإعلام.
من الواضح أن هنالك سيطرة يهودية واضحة على الإعلام في أمريكا بشكل عام، وذلك أمر لم يكن نتيجة لهجمات سبتمبر، وإنما هو واقع قديم يعكسه النفوذ الاقتصادي الكبير لليهود في أمريكا، والذي يسيطر على كل المؤسسات الاقتصادية والمالية والخدماتية، بما في ذلك الإعلام والاتصالات.
لكن الواقع الإعلامي الجديد، الذي أفرزته أحداث سبتمبر قد جاء في ذلك الاستسلام التام من قبل المواطن الأمريكي لكل ما تبثه محطات الإعلام المرئية والمسموعة، بصورة أفقدت ذلك المواطن مجال الرؤية البانورامي، والذي كانت توفره له أجواء الحرية والطرح المتلون الذي كان يتمتع به المواطن الأمريكي!
فالإعلام الأمريكي ـ وإن كان دائماً متحيزاً ـ إلا أنه كان لا يبخل على مشاهديه ومتابعيه باستعراض كل الصور والآراء، وكل الأطروحات والجدل، وجميع المشاهد على اختلاف انتمائها وتصورها! وهو- أي الإعلام الأمريكي- كان يقوم بمهمة غاية في الذكاء والدقة، حيث يعمل من خلال تلك المساحة الشاسعة من الطرح والرأي على ترويج رؤاه واستنتاجاته بصورة ذكية وبارعة، إلا أن إعلام ما بعد سبتمبر قد افتقد، وبصورة واضحة، رشاقته السابقة في القفز بين ما يرغب في أن يكون وبين ما هو كائن بالفعل، وعلى الرغم من أن زيارتي الأخيرة لأمريكا قد جاء توقيتها مع المجزرة الإسرائيلية في جنين، ومع الاجتياح الإسرائيلي للمناطق والمخيمات الفلسطينية الذي أثار الإعلام العالمي، إلا أن شيئاً من ذلك لم يكن حاضراً في الإعلام الأمريكي، بل زاد التركيز على (معاناة) الاسرائيليين مع العمليات الانتحارية، بصورة كانت تبدو في أحيان كثيرة غبية وقاصرة، خصوصاً في ظل الانفتاح الإعلامي العالمي على مناطق الحكم الذاتي المنتهكة من قبل جيش شارون!
لقد كان هنالك إصرار على طرح وجهة نظر أحادية الطابع والنكهة بصورة أفقدت المواطن الأمريكي حقه في تشكيل وعيه ورؤاه تجاه الحدث أياً كان موقعه! وبالطبع فقد كان الإعلام يلجأ إلى الكذب والتزوير، شأنه في ذلك شأن أي إعلام متطرف ومنحازِ، ففي سؤال وجهه أحد المشاهدين حول ملكية الأرض الفلسطينية، أجاب فيه أحد رجال السياسة والتحليل البارزين أن فلسطين لم تكن في تاريخها ملكاً لأحد، فقد امتلكها البريطانيون فترة ثم تبعهم الأردنيون، وهكذا، وهي إجابة لا تختلف في (دقتها) عن إجابات إعلام النظام العراقي حين يتطرق إلى استقلالية الأراضي الكويتية! وإذا كان مثل هذا النهج الإعلامي التضليلي متوقعاً من نظام دكتاتوري يسيطر على كل الحواس العراقية، فإنه يأتي متناقضاً تماماً مع نهج دولة حرة يفترض بها أن توفر حرية الخيار والرأي لمواطنيها!
لقد أدى- وبكل أسف- الذعر الأمريكي بعد أحداث سبتمبر إلى تغييب واضح في حرية الحصول على المعلومة، وإلى مصادرة شرهة لكل ما يتعارض مع الفكر الصهيوني الاستعماري، ولا عجب إذن إذا ما كانت الحرية حاضرة في الولايات المتحدة، ولكن بلا أحرار.
