الأرشيف

ثلاثية من أمريكا (3 – 3)

[جريدة القبس 8/5/2002]

يوتا جميلة الولايات
في حلقتين سابقتين تحدثت عن مشاهداتي الشخصية في أمريكا إبان زيارتي لحضور مؤتمر عالمي لمدرسي اللغة الإنكليزية لغير الناطقين، تحدثت في الأولى عن الإجراءات الأمنية بعد الحادي عشر من سبتمبر، وتناولت في الثانية الإعلام الأمريكي، وسأحاول أن أخرج في الثالثة من محيط القضايا الرسمية لأمس شيئاً من الحياة الأمريكية اليومية التي صادفتها هناك.
أتذكر جيداً أول انطباع لي عن الولايات المتحدة الأمريكية حين زرتها للمرة الأولى في فجر السبعينيات، يومها أحسست بجو من الكمال ساد كل ما سمعت ورأيت، وأتذكر يومها أيضاً أنني نقلت تلك الانطباعات الأولية إلى أستاذ مادة الشعر في الجامعة، وهو من الجنسية الأمريكية، حيث شبهت له صورة أمريكا التي انطبعت في ذهني، آنذاك، بالقطار اللعبة الذي يسير بكل دقة وطاقة دون أن يكون هنالك محرك مرئي، وإنما أداة تحكم خفية تضمن سير القطار بتلك الدقة وتوجهه في انعطافاته ومساراته!ِ ولم تتغير تلك الصورة طوال زياراتي للقارة الأمريكية، والتي أعقبت تلك الزيارة الأولى، بما في ذلك زيارتي الأخيرة خلال الشهر الماضي.
النظام في أمريكا يشبه الكمال، فلكل شيء دور، ولكل شيء سبب، وإذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أربكت ذلك النظام بعض الشيء، فإنها ربكة أصابت الإجراءات الأمنية الطارئة ولم تطل النظام الذي ينظم الحياة اليومية وشوون البشر الحياتية، فما إن تدخل أمريكا حتى تشعر بأنك قد أصبحت كاسم وكرقم أو كجزء من أجهزتها الإلكترونية الدقيقة، وهو ما لمسناه في المؤتمر الذي حضرنا لأجله في ولاية يوتا الأمريكية الواقعة في أقصى الشمال الغربي. المؤتمر كان منظماً إلى أقصى درجة، ولم يؤدِ حجم الحضور الذي تجاوز العشرين ألفاً إلى أي فوضى في جدول المحاضرات والندوات والفعاليات التي ازدحم بها جدول المؤتمر، ولا إلى غياب في القائمين على التنظيم والإرشاد، بل لقد تضاعفت أعدادهم بفعل طوابير المتطوعين للمساعدة في التنظيم وإنجاح المؤتمر. أما ما يتعلق بالولاية الحاضنة للمؤتمر فهي تستحق أن نتوقف عندها قليلاً، “يوتا” هي الولاية الخامسة والثلاثون في سلسلة الولايات المتحدة، وهي ولاية جميلة قلباً وقالباً، تحيط بها سلاسل الجبال والبحيرات والأنهار، وبالإضافة إلى مواردها الطبيعية المتمثلة بالمعادن والتربة الخصبة، هنالك صناعة خدمات رائجة ومتطورة في “يوتا”، حيث تشكل هذه الصناعة %76 من الإنتاج، وتشمل مستشفيات خاصة وأطباء وفنادق ومنتجعات تزحلق وشركات قانونية وهندسية، كما تحتفل “يوتا” سنوياً في يوليو بأول قدوم لطائفة “المورمنز” Mormons التي قدمت إلى هذه الولاية في عام 1847، ويؤمن “المورمنز” بأن نبيهم “جوزف سميث” قد أوحي إليه بإنشاء كنيسة جديدة وكتاب جديد هو The book of Mormon وعلى الرغم من أنهم لا ينكرون الإنجيل، إلا أنهم يرونه غير كامل! ولأن المورمنز يعتقدون بالحياة بعد الموت، فإنهم يقدسون الزواج، ويرون أنه رباط يدوم في ما وراء هذه الحياة، وأن الله قد خلق البشر جميعاً بروح أطفال قبل أن تنشأ الأرض، وأن المسيح كان أول أطفال الله، وقد أخرج “المورمنز” من ولاية الينوي ليستقروا في ما بعد في “يوتا”، ولعل إقامتهم في هذه الولاية قد انعكست على الحياة فيها، فتقديسهم للروح البشرية وللعائلة كرباط مقدس جعلهم يحرمون أموراً كثيرة كالتدخين والكحول وغير ذلك من الحريات المطلقة في باقي الولايات الأمريكية، مما جعل من ولايتهم واحة آمنة لإقامة عائلات وأسر سعيدة! وهو أمر لا يمكن أن يخطئه أي زائر، فالشوارع في هذه الولاية آمنة، ومشاهد الانحلال المنتشرة في المدن الأمريكية بشكل عام تكاد تكون شاذة وغائبة، وقوانين تناول المشروبات الكحولية صارمة، مما ساهم في ارتفاع مؤشر الأمن في هذه الولاية.
وقد ساهم ذلك الوضع الاجتماعي المريح في خلق حالة استقرار كانت أولى دلالاتها في حجم الثراء الحضاري والثقافي الذي ميز “يوتا” جميلة الولايات وسكانها من “المورمنز” وغيرهم ممن يسعى إلى العيش في مجتمع صحيح العقل والجسم وسط ذلك الصخب الهائل من الفوضى الأخلاقية والثقافية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى