غير مصنف

العائد من غوانتانامو

[جريدة القبس 13/2/2007]

في اللقاء المثير الذي أجرته “القبس” مع أحد العائدين من غوانتانامو، تفاصيل كثيرة تعكس ثقافة غريبة سادت المجتمع الكويتي منذ أن منينا بالصحوة الدينية مع نهاية السبعينيات.
العائد طبعاً متزوج من ثلاث، ويرفض طوال اللقاء أن يلقب بالإرهابي، أو التكفيري، ومع ذلك فهو يفخر بأن يكون أحد الذين أقاموا الحد على طالبة المعهد التجاري، مؤكداً حقه في ذلك، وأيضاً حقه وحق جماعته في معاقبة رجل الدين “مندكار” الذي كان يدخن، ولا يصلي صلاة الفجر؟!
من ضمن ما قاله العائد من غوانتانامو في رده على سؤال حول بداية الالتزام الديني في حياته، إنه شاهد فيلماً في جمعية الإصلاح الاجتماعي حين كان في العشرين من عمره، اسم الفيلم كان “اليقين”، وأنه تأثر تأثراً شديداً بعد الفيلم، وأيقن أن الدنيا لا تسوى، وبالتالي فقد قرر أن يغير نمط حياته وفكره.
وأتذكر شخصياً فيلم “اليقين” الذي كان قد انتشر انتشاراً كبيراً حينها بين الشباب، الفيلم كان عبارة عن تصوير مسهب لعملية غسل وتكفين، ودفن أحد الموتى، وبالطبع رافقت المشاهد تعليقات تحذر من الإفراط في التشبث بالدنيا وإلى آخره.
الفيلم، وكما قال العائد من غوانتانامو، أثار هلعاً كبيراً في نفوس العديد من الشباب، ودفعهم إلى الانخراط في الجمعيات الدينية، التي كانت في بداية تألقها حينذاك.
ويؤكد لنا العائد من غوانتانامو أن مشاهد الفيلم لم تكن حقيقية ولا واقعية، وأن الفيلم كان وسيلة للدعوة أثر في نفسه، وهداه إلى الالتزام.
لا أعلم عن أي دعوة يتحدث هذا العائد؟ وإن كان يقصد أنها دعوة للإسلام، فهل يعني ذلك أنه لم يكن مسلماً قبل أن يشاهد فيلم جمعية الإصلاح الاجتماعي؟ وإن كانت دعوة للالتزام سياسياً، فإن ذلك يعني أن الفيلم قد حقق هدفه، بدليل تواجد العائد من غوانتانامو في أفغانستان وباكستان، حين تم القبض عليه، وكلها بقع تشتعل بالأزمات السياسية المغلفة برداء ديني مغرض.
فالدعوة كما نعلمها نحن المسلمين، هي دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، وأن ترحم حتى أرواح القطط، وأن تغرس الفسيل حتى لو قامت الساعة.
العائد من غوانتانامو، يقر بأنه يعيش في دولة يحكمها القانون، ومع ذلك فقد أباح لنفسه الحق بأن يقيم الحد في حادثتين في الكويت، الأولى حادثة طالبة المعهد التجاري، والثانية كانت حادثة “مندكار” رجل المسجد، وهو بذلك يقع في تناقض صارخ مع قوله واعترافه بالدولة وقوانينها.
مما لا شك فيه أن الأخ العائد هو صورة طبق الأصل للعديد من الشباب الذين غرر بهم رموز مؤسسات الإسلام السياسي، فهم ضحايا لنهج في الدعوة بعيد كل البعد عن روح الإسلام السامية والمتسامحة، نهج يقوم على التخويف والترهيب بصورة تؤمن لمؤسسات الإسلام السياسي قطيعاً من الأفراد يحركونهم ذات اليمين وذات الشمال، مثل هذا النهج الترهيبي لا يزال وبكل أسف ناشطاً وثرياً في مؤسساتنا التعليمية، يبث في الناشئة روح الخوف بدلاً من مشاعر الحب، ومنهج العنف، بدلاً من لغة التسامح، وبذور الطائفية، بدلاً من سواسية أسنان المشط، والأخ العائد من غوانتانامو ليس سوى مشهد واحد من فيلم طويل يحكي كيف تحول الدين إلى سياسة، والعقيدة إلى استراتيجية وخطة لمواجهة الأعداء.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى