الأرشيف

العودة إلى الصوفية

[جريدة القبس 23/11/2010]

من الذي جرّد الدين الإسلامي من عبق الروحانية، الذي طالما كان الملجأ من عناء الدنيا وقسوتها؟! فالأديان كلها سماوية كانت أم لا، توفر طاقة ونافذة للتجلي في ملكوت الله، والانخراط في ديمومته، والذوبان في روحانية تُخرج الإنسان من مشقة الدنيا وماديتها، بل من حزنها وأفراحها.
في فتوى من فتاوى العلب الجاهزة، خرج علينا أخيراً أحد الشيوخ بفتوى تحظر تقبيل رأس الأب أو الأم إذا كان لا يؤدي الصلاة، أو لا يلتزم بالفرائض! متجاهلة ـ أي الفتوى ـ بذلك قول الله عز وجل “ولا تقل لهما أفٍّ”، و”بالوالدين إحساناً”، وتذكير نبيه c دوماً بأن الجنة تحت أقدام الأمهات، وغير ذلك مما ورد في القرآن والسُّنة بشأن علاقة الفرد بوالديه.
لن أتحدث عن فوضى الفتاوى، فتلك أصبحت كارثة استدعت أن تصدر دولة كالمملكة العربية السعودية أمراً ملكياً بتنظيمها واعتماد مصادرها الرسمية. ولكن سأتناول مسألة التفريط المستمر والمتعمّد أحياناً في ذلك الجانب الروحاني للدين الإسلامي، الذي أصبح شبه منسي في زحمة حملات التكفير والتفجير وهدر الدماء، والتذكير بالشق العقابي من الدين، دون جانبه الروحاني المعبق بمحبة الله والارتقاء بالنفس البشرية عن ماديات الحياة الفانية.
إن الله محبة، وليس فقط شديد العقاب، وهو رحمة “الرحمن الرحيم”، وهو قريب، أقرب من حبل الوريد، ورسوله رحمة للعالمين، الله هو التواب والغفور والمتجلي والحليم والحكيم والناصر، هو الذي يقترب منا فرسخاً إذا توجهنا نحوه بخطوة! وكما جاء في القرآن الكريم: F ﵟوَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآﵞ ﵝالنَّحۡل : ﵘﵑﵜ ، F.
عندما كنا صغاراً، وقبل أن تسرق السياسة الدين، كانت الأحاديث المقررة في المنهج المدرسي تقتصر على تلك التي ترسخ في الطالب الأخلاق والقيم المجتمعية، من إماطة الأذى عن الطريق، إلى الرحمة بالحيوان، وضرورة حماية البيئة، والبر بالوالدين وهكذا. أما الآن فقد تحوّل منهج الدين والعبادات في المدارس إلى فرصة لبث الترهيب والخوف في نفوس الأبناء، والتذكير بوضع الحجاب والنقاب كأولويات دينية لا يصح الإسلام من دونها، والتحذير من عذاب القبر وتفاصيل كالثعابين والديدان! بل لقد أصبحت حصص الدين في بعض المدارس فرصة لاستقطاب الفتيان والفتيات للاشتراك في جمعيات الإسلام السياسي خارج أسوار المدرسة، والمساهمة في أنشطتها، ودعم أهدافها السياسية وتوجهاتها!
لقد ظهرت الصوفية في بداية نشأتها كمحاولة لإعادة الروحانية المفقودة إلى الدين بعد أن لونته السياسة وعبثت بأولوياته المعارك والحروب على السلطة والنفوذ! واليوم يلجأ الكثير من المواطنين لاحتضان الصوفية كمدخل للروحانية المتجردة من الطموحات السياسية والمالية والدنيوية البحتة!
الصوفية هي الشق الروحاني من الدين الإسلامي، وهي الوحيدة التي تجمع بين التوحيد والإيمان بالشرائع السماوية مع الالتزام بالجانب الروحاني، لذلك يرى فيها أصحاب الإسلام السياسي الخطر الأول، الذي سيربك مخططهم لتحقيق المزيد من النفوذ والسلطة على حساب الإسلام!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى