
للشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، مواقفه الناصعة والشجاعة التي حاول من خلالها أن يزيل الكثير من الشوائب التي ألصقها أصحاب القلوب والعقول المريضة بالإسلام وتشريعه.
وكما كانت مواقفه شجاعة، فقد كانت كتبه كذلك لا تقل شجاعة! ففي كتابه عن الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية يصف الشيخ الغزالي الفساد السياسي بأنه مرض قديم في تاريخنا، وان هناك حكاماً حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة لأن أهواءهم طافحة وشهواتهم جامحة، لا يؤتمنون على دين الله، ولا دنيا الناس، ومع ذلك فقد عاشوا آماداً طويلة! ويذكر الشيخ، رحمه الله، أنه عاصر حكاماً تدعو عليهم الشعوب، لأنها لا تراهم إلا حجارة على صدرها توشك أن تهشمه، وقد انتفع بهم الاستعمار الشرقي والغربي على حد سواء في منع الجماهير من الأخذ بالإسلام والاحتكام إلى شرائعه، بل لقد انتفع بهم في إفساد البيئة حتى لا تنبت فيها كرامة فردية ولا حرية اجتماعية، أياً كان لونها.
ويرى الإمام الفاضل أن أوروبا قد سبقتنا إلى تقليم أظافر حكامها، فقتلت بعضهم في ثورات حانقة، ووضعت دساتير دقيقة لضبط مسالك الباقين، وحتى صار الحكم هناك خدمة عامة يختار لها الأكفأ، ويراقب الحاكم من خلال أجهزة يقظة، ويطرد إن بدا منه ما يريب.
أما في الدول العربية والإسلامية، فإن الفساد السياسي بقي في أغلب ربوعه حتى الآن.
ولا يزال اغتصاب الحكم فيه سهلاً، ولا يزال الحكم وتحلق الحاكمين أقصر الطرق لكسب المال والجاه!
ويرى الإمام، رحمه الله، أن أسباب تدهور الحال في المجتمعات الإسلامية والعربية يعود بالدرجة الأولى إلى الفهم الخاطئ للإسلام، ثم يسوق بعض القصص من وحي تجاربه ليفسر في ضوئها حجم الخطأ الذي وقع فيه المسلمون في فهم روح الإسلام.
يقول الإمام الراحل إنه كان يوماً في حفل جامع يلقي محاضرة في موضوع خطير، حين رأى أحد الصحافيين يهم بالتقاط صورة للجمع الحاشد لكن أحد الدعاة نهض لمنع المصور، فلما أصر هذا على المضي في عمله اتجه الداعية إلى آلة التصوير وكسرها! ثم جاء هذا الواعظ الغيور للإمام الغزالي وسأله: لماذا لم يمنع التصوير؟ فكانت إجابته لأنه يراه مباحاً! لكن الواعظ رفض ذلك مستشهداً بقول الرسول c: “إن أشد الناس عذاباً المصورون”، فأجابه الغزالي بأن رسول الله c كان يعني صانعي التماثيل للعبادة! إلا أن الواعظ رفض أن يخصص حديثاً عاماً.
ويعيب الإمام الغزالي، رحمه الله، على بعض الدعاة الذين يثيرون قضايا هامشية دون غيرها من أساسيات الإسلام.
لا يستبعد الغزالي، وكما أشار في كتابه، أن يحصل الغرب وروسيا واليابان على بترول إيران والعراق مجاناً لمدة عشر سنوات أو تزيد، فالدولتان ستضطران للاستعانة بالدول الكبرى وخبرائها لإصلاح الدمار والخراب اللذين حدثا فيهما.
ويرى أن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى أن مصير هذه الشعوب في يد بضعة أفراد مغامرين يعلنون الحرب وقتما يشاؤون ويسوقون بلادهم إلى الخراب! ولو كانت في هذه البلاد برلمانات حقيقية منتخبة انتخاباً حراً، ومناقشات ديمقراطية يتبادل فيها المختلفون الرأي بدل تبادل إطلاق الرصاص، لما سمحت الشعوب بمثل هذه المغامرات المجنونة! إننا في هذه المنطقة يجب أولاً أن نتعلم كيف نختلف.
قد لا يكون هنالك جديد في كتاب الإمام الراحل محمد الغزالي، لكن قيمة الكتاب تعود أساساً إلى كونه ثمرة فكر مستنير لرجل دين فاضل، يأبى أن يحمل أصحاب القلوب المريضة، دين الإسلام وزر فكرهم المريض! فالكتاب يحمل بداخله صحوة باتجاه الإسلام الصحيح! فكم غزالياً يحتاج عالمنا العربي والإسلامي يا ترى ليعود إلى صوابه، ويصحو من غفوته؟
