الأرشيف

الشعب يريد إسقاط الفساد

[جريدة القبس 29/10/2019]

لم يهدأ الشرق الأوسط عبر تاريخه، حروب، وغزوات، انقلابات ومؤامرات، احتجاجات وتظاهرات، آخرها جاء على هيئة ربيع عربي لا تزال براعمه تتفتح ولا يزال بركانه هادراً.
ما حدث في العراق الشهر الماضي ولا يزال مستمراً؛ يحدث اليوم في لبنان، تراكمات من الإحباط والغضب تفجّر الشوارع وتُخرج المحتجين الذين ينتمي أغلبيتهم إلى فئة الشباب، معبرين عن رفضهم لفساد الطبقة السياسية والبنيوية بشكل عام.
وليبقى في خضم أحداث كهذه سؤال جوهري عالق حول سبب اقتصار الحراكات العربية على مشهد الشارع فقط، دون أن يلامس غضبها جوهر النظام السياسي والبنيوي، وربما تساءل البعض حول غياب القيادة في هذه الثورات والاحتجاجات، وهو سؤال أجابت عنه التجربة المصرية التي أدى تزاحم القيادات على خوضها إلى فوز الجيش في النهاية، وإمساكه بزمام القيادة من جديد! كذلك هي الحال في التجربة السورية التي أدت نزاعات قادة المقاومة والمعارضة فيها إلى ترسيخ النظام السياسي فيها وإبقائه بالرغم من كل الظروف التي أحاطت به!
تفشل الثورات العربية، وحركات الاحتجاج والتظاهر لأن أغلبها لم يتمكن إلا من هز النظام أو السلطة القائمة، أو في بعض الأحيان قد لا تؤدي إلا إلى ولادة نظام سلطوي مشابه للقديم ولكن بشعار وواجهة جديدة، وغالباً ما يحصد مثل هذا النظام الوليد جهود أولئك الذين فجروا الشارع باحتجاجاتهم وربما بدمائهم.
غالباً ما تدفع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة المواطن للاحتجاج والتظاهر، فلبنان الذي اشتعل غضباً وصلت نسبة الدين العام فيه إلى 86.2 مليار دولار، ووصلت الضرائب إلى بعض التطبيقات الإلكترونية كتطبيق “الواتس آب”، أما في العراق الذي يسوده هدوء حذر بعد تظاهرات الشهر الماضي التي حصدت 165 قتيلاً، وأكثر من 6 آلاف جريح، ها هي التظاهرات تعود مجدداً فيه احتجاجاً على الفساد المتفشي في المؤسسات السياسية، والنقص الحاد في الخدمات العامة! أما الأردن فلا يزال إضراب المعلمين قابلاً للتكرار، بعد أن شهد الأردن أطول إضراب للمعلمين الذين طالبوا بزيادة الرواتب.
لا تحتاج الثورات إلى حنكة سياسية كما يتصور البعض، كما وليس بالضرورة أن يتحلى المتظاهرون بفقه المعرفة السياسية أو العسكرية، بل يكفي أن يسود الوعي المجتمعي شعور بالقهر والظلم وانقلاب ميزان العدالة ليخرج الناس في ضوء ذلك إلى الشوارع والساحات مراراً وتكراراً منددين بالظالم ومطالبين بالعدالة، وهذا بالتحديد المحرك الأهم الذي قد يشق الطريق نحو تغيير مكتمل.
لقد سئم الناس، سواء في العراق أو لبنان أو السودان أو الجزائر، ممن يخوضون اليوم مرحلة جديدة من ربيع العرب عنوانها “الشعب يريد إسقاط الفساد”، أقول لقد سئم هؤلاء أيديولوجيات وفكراً لا يطعم خبزاً ولا يوفر سكناً ولا عملاً، فأغلقوا الساحات بأجسادهم وعلقوا مطالبهم.
تراكم المعاناة هو الذي أفرز ما تشهده الساحة العربية من تظاهرات، فما الثورة الفرنسية التي غيرت العالم وأرست مبادئ العدالة والحرية والمساواة سوى نتاج منطقي لحالة مخيفة من الفقر والظلم والغياب المفرط للعدالة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى