
قد أتفهم – ولا أبرّر هنا – أن يسرق الفقراء بدافع الحاجة، فالفقر يجعل الإنسان أقل مقاومة للمغريات، إما بدافع الجوع وإما العَوز أو لأسباب أخرى عديدة، لكن إذا كان الدافع غالباً ووفقاً لمُبررات السرقة عند الفقراء هو لِسَد الحاجة، فلماذا يسرق الأثرياء والأغنياء؟ وما الدوافع التي تحوّل مليونيراً أو مليارديراً إلى لص أو سارق؟ وهل يا ترى يتحول مفهوم الحاجة ومنطقها إلى مسألة نسبية هنا؟ بمعنى أن حاجة الثري هي بالقياس نفس حاجة الفقير مع فارق القيمة بين الحالتين؟
لا شك أن النفس أمّارة بالسوء، وهذا ربما يعني أننا جميعاً وتحت ظروف مُعيّنة قد نكون سواسية فيما يتعلّق بالانصياع والانضباط للنظام والنسق الأخلاقي المعتَمَد في المجتمع، فالمال السايب كما تعلّمنا يُعلّم السرقة، وغياب القانون يشجّع على التجاوزات مالية كانت أم سواها من مخالفات، وضِعف العدالة واعوجاج ميزانها يزرعان من الحقد والانحراف ما قد يكون دافعاً لارتكاب السرقة تحت مُسوّغات ومُبررات وهمية وواهية الحجة والبيان.
في عام 2016 تم تسريب وثائق “بنما” الشهيرة التي احتوت على أكثر من أحد عشر مليون وثيقة، يرجع تاريخ بعضها إلى ما يقرب من 40 عاماً وحيث كشَفَت تورّط أكثر من 214 ألف شركة، في أكثر من 200 دولة وإقليم و143 سياسياً، بأعمال غير قانونية مثل التهرّب الضريبي وغسيل الأموال، حتى أن بعض تلك الأوراق “البنمية” قدّمت مستندات توثّق تحويلات بنكية سرية مع شركات وهمية بقيمة ملياري دولار، هذا بخلاف ما ورَدَ في تلك الوثائق من تورّط رؤساء دول وشخصيات بارزة وعدد كبير من الأثرياء والمشاهير والشخصيات النافِذة حول العالم في تلك الفضائح والانتهاكات.
لا يمكن أن يكون هؤلاء قد سرَقوا بدافع الحاجة أو الجوع أو العَوز، فأغلب المتورّطين في قضايا فساد ليس في عالمنا العربي وحسب وإنما في العالم كله، هم من الأثرياء المُتخَمين، وليس بينهم فقير واحد، وهذا يقودنا مجدداً إلى السؤال الوارد أعلاه، لماذا يسرق الأغنياء؟ وهو سؤال قد تكون إجابته في واقعة حدثت منذ عامين أو أكثر، تتلخّص في قصة ثورة واحتجاج أحد المليارديرات المشاهير ضد إحدى الصحف الاقتصادية المعنيّة بتَتَبّع بورصة ثروات الأغنياء في العالم، والتي أخطأت بتخفيضها ثروة ذلك الملياردير بعض الشيء، مما استدعى الملياردير لمقاطعتها ومن ثم مقاضاتها!
حين تتحوّل الثروة إلى مجرد رقم، يصبح الهَوَس جامحاً في سبيل ثَبات هذا الرقم أو مضاعفته، ومعه يبدأ الخوف من تراجُعه، ولا حاجة هنا لشرح تداعيات مثل هذا الخوف على الحياة بشكل عام، وبشتى مناحيها، ولا يخلو الأمر بالطبع من محاولات ليس بالضرورة أن تكون مشروعة للدفاع عن هذا «الرقم» أو محاولة تنميته.. ومعه يدخل الفساد تحت مُسَمّيات مختلفة، بعضها سياسي المنبع، وبعضها الآخر اقتصادي أو اجتماعي الهوية، حتى وصلنا إلى أرقام فلكية لتكلفة الفساد وفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2018 والتي بلغت 2.6 تريليون دولار أو ما يساوي 5 بالمئة من الناتج المحلي العالمي، بينما تصِل قيمة الرشاوى في العالم كل عام إلى تريليون دولار، وتتجاوز قيمة الفاقد بسبب الفساد عشرة أضعاف إجمالي المبالغ المقدّمة للمساعدة الإنمائية.
الفساد وفقاً للتعريف المُطلَق، هو أي تكسّب يكون فيه تجاوز للقانون، وللحق العام، فالواسطة فساد، والرشوة فساد، والتخلّف عن العمل فساد، والغش في الامتحان فساد، ورمي القمامة في الطريق فساد والترويج للإشاعة فساد، واستغلال الدين لأغراض الدنيا فساد، وهكذا، وكل هذه الأنماط من الفساد تجد لها، وبكل أسف، ألف حاضِنة وحاضِنة في معظم مجتمعاتنا العربية التي لا تزال تكرّس مبدأ الاستبداد في السلطة والثروة والحقوق كافّة تحت مُسمّيات زائفة تدّعي الديمقراطية، والحرية، والعدالة، والصحافة الحرة، والقانون.
لن يحل مثل هذا المأزق الوعِر ظهور “روبن هود” يسرق من الأغنياء ليُطعِم الفقراء، بل الحل في ترسيخ قانون عادل يحمي الجميع، وهيئات مُساءلة ورقابة تراقب الكل، ومعايير واضحة وحقيقية لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.
عند ذلك لن يَسرق الفقير لأن العدالة لن تتركه جائعاً، ولن يسرق الغني لأن الرقابة ستكون له بالمرصاد، وهذا ليس بوَهم ولا إدعاء بمدينة فاضلة، بل حقيقة تُمارسها دول ناجحة استطاعت أن تُحقّق مثل هذه المعادلة في العدالة، فلم يعد معها الأغنياء فيها سُرّاق مال عام أو ثروة دولة.
