الأرشيف

إبكِ يا بلدي الحبيب

[جريدة القبس 15/12/2009]

كان والدي (حفظه الله) ولايزال هو ترمومتر التفاؤل بالنسبة إليّ، وبفضله لم يدركني اليأس يوماً حتى في أحلك الظروف.
فهو دائماً يحمل نظارة وردية تجعله يبتسم للصعاب، وينتظر شروق الشمس عند كل ظلمة تلف الكويت! لم يكن لديه أدنى شك في عودة الكويت واستقرار الأمور منذ أول يوم لفاجعة الغزو المبكية.
لكنه اليوم، وفي ظل الظروف الراهنة، أعلن وللمرة الأولى استسلامه لليأس، ومعه إحساسه بأن الكويت تتجه نحو الهاوية، ما لم تخرج وعلى الفور مبادرة صارمة وجادة لإنقاذها وانتشالها من مصير بات أسود في نظر الجميع، وبلا استثناء.
الندوات (الجماهيرية) التي ناقشت الاستجوابات أخيراً، والتي عقدتها أكثر من جهة، تؤكد ضآلة حضورها حالة اليأس التي وصل إليها الجميع! فلم تعد القضايا تجذب المشاهدين، ولم يعد الحماس يستقطب المستمعين، ولم تعد الندوات تهم المواطنين! الجميع أصبح مدركاً أن أغلب ما يطرحه نواب الأمة، سواء في قاعة عبدالله السالم أو في ندواتهم، ما هو سوى جزء من حرب التصفيات التي بعثرت آمال المواطنين وتطلعاتهم!
المثير في المشهد السياسي الراهن أن هنالك تبادلاً في الأدوار والشعارات يضاعف من سوداوية المشهد، ويجعل المواطن يبحث في ردهات الكلمات والخطب الرنانة والشعارات عن أسباب أخرى خفية، بخلاف وهم الدعوة إلى الإصلاح، أو الرقابة!
فتيارات الإسلام السياسي أصبحت فجأة مؤمنة بالحريات، ومطالبة بالشفافية، ومنادية باحترام الحقوق، على الرغم من كونها ولاتزال من أبرز المعوقات أمام إقرار حقيقي ويقين مجرد لأهمية صون الحقوق بكل أشكالها، واحترام الحريات لكل الأطياف!
سياسة الصوت العالي التي يتبناها الخارجون على الديمقراطية هي التي أوصلت والدي وغيره إلى مشاعر اليأس.
وممارسة الإسفاف بالقول، والطعن في الآخرين وقذف المخالفين بالرأي، هي التي حولت مشهد الصراع السياسي إلى ساحة حرب يسقط المواطنون وحدهم ضحاياها.
لم يعد هنالك قاع نسقط فيه، فلقد وصلت الأوضاع إلى أسفلها، ولم يعد أمامنا مخرج بعد الارتطام بعنف سوى التدحرج أفقياً، أو ذلك على الأقل، وفقاً لقوانين الفيزياء! فهل نخالف قانون الطبيعة، أم نرتد بعنف لنخرج من ارتطامنا؟ ذلك أمر بيد أهل الحل والعقد الذين نتمنى كمواطنين أن يدركوا حجم المأزق قبل أن نبكي جميعاً بلداً جميلاً وحبيباً لم نصنه، وتركناه مضغة في أفواه وطموحات فرقة الأصوات العالية، والنوايا الخربة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى