غير مصنف

الفساد والإصلاح والبناء

[جريدة القبس 19/11/1991]

كيف نواجه أخطاءنا
لا أحد يستطيع أن يجزم بأنه دائماً يخطو في الاتجاه الصحيح.. فالخطأ كما الصواب أساسي لأي خطوة يسير بها أي مجتمع بشري.. وقاعدة لكل التجارب الإنسانية.. ويبقى الحسم في مدى قدرتنا على كشف الأخطاء وتعرّيتها لاستخلاص العبرة منها، دون أن نغفل عن أي جزء منها قد يعاود – من جديد – بناء خلاياه فينمو ثانية!
والاتجاه القائم في هذا الوطن يرى أن النقد وتسليط الأضواء على الأخطاء فيه الكثير من التضخيم المفتعل، وأن الصحافة تبالغ بشكل مجحف في إبرازها. ومع ذلك، فما زلنا ماضين بإصرار في محاولات تحجيم مشاكلنا وأخطائنا، متذرعين بشتى الذرائع الواهية، كأن نقول إن أحوالنا أفضل من غيرنا! فمشكلة التلوث ما زالت منخفضة قياساً بمعدلات التلوث في بلدان أخرى!! والديمقراطية مارسناها لسنوات عديدة بينما لم تألفها شعوب كثيرة في بقاع الأرض! وغير ذلك من تبريرات يرفعها دعاة “الله لا يغير علينا” فأحوالنا أحسن بكثير من غيرنا!!
إذا كانت هناك أخطاء في معالجتنا للتلوث البيئي.. أو في سياستنا الإعلامية… أو في تطبيق الديمقراطية… أو في غير ذلك من أمور هذا الوطن… فترميم تلك الأخطاء لا يكون بطمسها وإنكارها… أو بمحاولة التعود عليها أملاً بأن تصبح جزءاً منا… أو أن نصبح جزءاً منها… فليس لدينا بديل آخر!! حتى غدت كل مشاكلنا وأخطائنا معلقة رهن ظهور البديل!! وحتى تمكن ذلك الأسلوب في المعالجة من التسلل إلى نواح كثيرة من حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا الأسرية… فعدم وجود البديل للأوضاع الخطأ أصبح عذرنا في الإبقاء على أخطاء اجتماعية كثيرة…
إن الحديث عن أخطائنا من مختلف أبوابه… وليس كعنوان عام هو المعيار الأساسي لمواجهتها… فحين كانت سحب الدخان الأسود تحيل نهارنا ليلاً… كان الجهد محصوراً في من يكون صاحب الرأي الصحيح في حقيقة التلوث… حتى ابتعدنا تماماً عن لُب المشكلة… فاستهلكت كل الجهود في تبادل الاتهامات وبعيداً عن محاولة البحث عن أساليب الوقاية من التلوث أن تكون في متناول أفراد المجتمع… وحين انتهى الدخان… وبرزت مشكلة الإشعاع… عُدنا إلى نفس الاتجاه… نفس الجدل حول من يكون صاحب الرأي الصواب!!
إن محاولتنا طمس حقيقة التلوث البيئي هي مثال للأخطاء التي غالباً ما يكون حلها ملتوياً… وبعيداً عن أي طرح موضوعي… وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على عدم قدرتنا على مواجهة تلك الأخطاء وحلها. وحتى يكون الحل حاسماً… فإن أدركنا لحيثيات أخطائنا يعتبر ركناً أساسياً حتى نضع أقدامنا على أول الطريق. فعلى سبيل المثال… إدراكنا لكل جوانب أخطائنا الإعلامية… يقينا التدني لممارسة الحوار السوقي الذي يمارسه الإعلام العراقي لافتقاره للحجة، فما يميز أجهزة الإعلام تحريها الصدق والحقيقة… وليس في نبش ماضي الأعداء والتلذذ بسبابهم… وحتى يدرك جميع أفراد هذا الوطن أن الإعلام سلاح أثبتت الأحداث التي مرت بهذا الوطن أنه لا يقل أهمية عن الجيوش الجرارة… فكلما توسعت دائرة الإدراك لدى المجتمع لأخطائه حظيت تلك الأخطاء بدعم أقوى وعزيمة أكبر لمواجهتها.
وقد يتساءل البعض… وما الذي نستطيع أن نستفيده بطرح أخطائنا… وتسليط المجهر عليها… ما دمنا لا نملك البديل لتلك الأخطاء؟! وبأن إبقاء الأوضاع على ما هي عليه أسلم كثيراً من التوغل في مجاهل الغيب!! وللإجابة أقول… إن أول ما نستفيده هو تطوير قدراتنا على النظرة الموضوعية لمشاكلنا وقضايانا… وعدم تضييع وقتنا وجهدنا في حوارات عقيمة ليس لها أي هدف موضوعي… كذلك الجدل العقيم الذي طمس حقيقة مشكلة التلوث… والتفهم الواعي لدوافعنا لإبراز أخطائنا والتي يحدوها انتماؤنا لهذا الوطن… والعمل على تحييد تلك الدوافع… فما يخص الوطن من قضايا ليست قضية خيار شخصي.
إن إفساح المجال لتطوير قدراتنا على فهم أخطائنا هو من أهم خطواتنا التي نخطوها نحو إصلاح تلك الأخطاء… فالاعتراف بوجود الخطأ مبدئياً هو نصف الطريق نحو إصلاح الأمور.
إن مقارنة أخطائنا بأخطاء الآخرين… ومنطق أيهم أفضل نحن أم هم؟ لا تعط تبريراً للوضع الخطأ… ولا تنم عن أي طموح مستقبلي للرقي والتطور… فالخطأ يظل خطأ مهما مرَّ عليه من زمن… وإصلاح الخطأ يبقى أمراً حتمياً وإن كان مجهول الزمن… وتبقى إذاً أهمية تطوير الأسلوب الذي سيتم من خلاله إصلاح الخطأ… بأقل حجم ممكن من الألم والمعاناة. وقد تكون التجربة التي مرَ بها هذا الوطن خير برهان على أن الأوضاع الخاطئة مهما بلغت محاولات تجميلها تبقى خاطئة وشاذة… فعدوان النظام العراقي على هذا البلد الصغير… أجهض لأنه مبدئياً وضع خاطئ… وأيضاً لأن رأي الأغلبية وأعني الإجماع الدولي قد رجَّح كفة إدانة العدوان وإيقافه… فكانت حتمية إنهائه… نهاية طبيعية.
إن تصحيح أخطائنا يعني الانتقال من وضع خاطئ إلى وضع آخر صحيح… أي من وضع إلى نقيضه… باعتبار أن الخطأ نقيضه الصواب… ولكون الخطأ والصواب معنيين نسبيين… فما يراه البعض خطأ في هذا الوطن… قد يكون لبَّ الصواب في نظر البعض الآخر… لذلك فإن الحسم في مثل هذه الأمور يكون لصالح الفئة التي تكون حجتها أكبر… ويكون أسلوبها في الإقناع مدججاً بالبراهين والحقائق… حتى يتعين تصحيح الخطأ في وضع ما من أوضاع هذا الوطن… وليصبح في حالته هذه جزءاً من تكوين الواقع… ليس فيه تبرير لخيارات شخصية.
بعد تجربة الغزو… تحتم علينا أن نعيد النظر في تقييمنا لأمور كثيرة… أغفلناها في زمن كان أقل قسوة من الزمن الحالي… والطريق نحو المستقبل سيبقى محدوداً أمامنا… أما شكل ذلك المستقبل فسيبقى رهن إنجازنا وأدائنا في الزمن الحاضر… وامتداداً لمدى فهمنا للواقع… وقدرتنا على التعامل معه… فالسؤال الذي يجب أن نقف عنده في تقرير أمورنا… هو ماذا يحدث… وليس ماذا نرغب أن يحدث؟ّ
حينئذ… لا تعود لنا الحاجة لتبرير أخطائنا… ومحاولة إخفائها عن الأنظار… فأجمل ما يميز الحقيقة والصواب… إنهما إفراز لتناقضات كثيرة ساهمت إلى حد بعيد في تنقية تلك الحقيقة… أو ذلك الصواب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى