الأرشيف

سارقوا حلم المواطن ومستقبله

[جريدة القبس 10/5/1992]

حين لاحت تباشير الفرج مع قرب انتهاء حرب تحرير الوطن.. وارتفعت معها أصوات المسؤولين في هذا الوطن.. تصرح بالاستعدادات الدقيقة والتي شملت كل الجوانب لبناء ما أفسده الغزاة.. استبشرنا خيراً يومها.. يوم صرح المسؤولون بأن خططهم ومشروعاتهم لم تغفل جانباً واحداً.. وإنهم وضعوا بعين الإعتبار أن الإعمار سيبدأ من نقطة الصفر.. وأن الدمار المتوقع قد يعيدنا إلى نقطة البداية.. وحيث كنا بدأنا منذ أربعين عاماً.
ولكن القدر كان كريماً معنا إلى حد كبير.. فعاد الوطن بنسبة دمار أقل من المتوقع.. اللهم إلا حرائق النفط.. وقد أعاننا الله عليها.
ما زالت تصريحات ووعود المسئولين في زمن الكارثة يتردد صداها في أذهاننا.. تلك التصريحات التي أكدت على أن الوطن سيعود أمتن وأكبر.. وإن العمل الجد سيكون الطريق المرسوم لإعادة بناء الوطن.. ما دام الهدف هوالكويت وشعبها، ولم يكن لدى أحد منا شك في أن هذا سيكون حكم التاريخ والأجيال المقبلة. إلا أن تلك الحقيقة الجميلة ما لبثت أن حجبها عن أعين الكثير من المواطنين.. ما يرونه من واقع مغاير حولهم.. لا يمت بأدنى صلة لتلك الوعود التي سمعوها.. والتي كانت عزاءهم الأكبر في ما أصاب الوطن.
الوعود التي قطعها المسؤولون على أنفسهم لم تلبث أن تاهت في متاهات اللاتخطيط.. والعشوائية في التطبيق.. ولم تكن تلك الوعود وحدها التي تاهت بل لقد تاهت معها ضمائر الكثير من المستفيدين من ذلك التخبط الذي واكب مفهوم وتطبيق أسلوب إعمار الوطن. وأمام ميزانية الوطن المفتوحة على مصراعيها لإعادة البناء.. وجد أولئك المستفيدون متسعاً كبيراً للتجاوز.. وتسابقت مناقصات تجهيز مؤسسات الوطن إلى أحضان هؤلاء.. وازدحمت مؤسسات كثيرة بأجهزة بالغة الدقة عرضة للتلف والغبار أكثر من كونها للاستعمال والاستخدام. ولعلَّ أقرب الأمثلة التي أستطيع الاستشهاد بها من واقع محيطي.. ذلك الازدحام الذي تشهده جامعة الكويت لأجهزة (بروجكتور) دقيقة وباهظة الثمن لم تستعمل أبداً.. في حين أن احتياجات الجامعة الأساسية من مدرسين أكفاء.. ومراجع لم تلب إلى الآن. إن إعادة البناء لا تعني البذخ الأعمى.. ولا هي أثاث فخم.. ولا أصباغ وألوان زاهية.. دون أن يمس ذلك مضمون بناء المجتمع وجوهره فكل ما نراه الآن من مظاهر تبذير فاحش.. واستهتار بالمال العام.. ما هو إلا دلالة على أن الإعمار يسعى إلى أهداف خطأ.. ويعالج أموراً لا أولوية ولا حاجة ملحة لها. فالقسم الذي أعمل به مثلاً تم تجهيزه بمعدات تفوق الجامعة الأساسية والتي كانت قائمة قبل الغزو بأربع مرات.. يبقى أغلبها مرصوصاً في ممرات القسم أو تحت الشمس إلى حين نقله إلى المخازن.
لا أحد ينكر أن جهلنا بقيمة وأهمية التخطيط.. هو العامل الذي يكمن وراء ذلك التخبط في إدارة الوطن في ما قبل الكارثة. وبفضل ذلك التخبط وجدنا الآن أن البنية الأساسية والتي نحن بصدد إعادة إعمارها.. لم تعمر أساساً.. فشوارعنا ملأى بالحفر.. ووزاراتنا مبان مؤجرة.. أما المستشفيات فتنتشر الشاليهات المؤقتة في أرجائها المؤجل بناؤها إلى حين!!
لقد مضى ما يزيد عن العام ونصف العام منذ كارثة الوطن… والدولة بمؤسساتها ومواطنيها.. بل وبالتزاماتها تجاه دول أخرى.. تُدار وتسير بما لديها من استثمارات خارجية.. ناهيك عن تكاليف حرب التحرير.. والتي توازي ميزانيات سنين عديدة من عمر الوطن. وما يحز في النفس هنا.. أن نكون دولة بكل تلك الإمكانات ولا نملك حرماً جامعياً يجمع أشلاء المباني المؤقتة الحالية.. وأن نكوّن دولة بكل تلك الموارد.. وبيوت ذوي الدخل المحدود تتساقط أسقفها فوق قاطنيها. أن نكوّن كل ذلك ولا نملك مطاراً محترماً يحسن واجهة الوطن التي يطل منها على العالم.
لقد كثر الحديث عن التسيب والانحراف الإداري والثراء غير المشروع على حساب بناء وإعمار الوطن من جانب.. وكثرت وعود وقرارات الإصلاح والمحافظة على المال العام من جانب آخر.. وبحيث أصبح الجانبان يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان أبداً.. ولا يمكننا والحال كذلك أن نعفي القائمين على الجهاز الإداري في الدولة من مسؤولية ذلك، فالقائمون على مراكز النفوذ لم يأتوا خلسة ولا قسراً.. ولا فرضوا أنفسهم فرضاً على السلطات.. بل العكس.. فقد تم تعيينهم أساساً ليقوموا برعاية تلك المراكز.. وكان أن أجهض هؤلاء الهدف الوطني من إعادة البناء والإعمار.. حين تحولت مهامهم إلى تنفيذ مصالح خاصة وأهداف فردية فقدوا معها ضمائرهم وفتحوا مجالاً أوسع لكل من لديه قبس من قدرة للركوب على تلك المراكز أو تطويقها.. ليتاجر في مصلحة الوطن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
قد لا نكون أتينا بجديد حين نضع اللوم على تعثرنا في كل عمليات الإصلاح السابقة.. على أرباب الفساد ومروجي الرشوة.. ولا هو بجديد أيضاً أن نقول إن الذين لم يساهموا في الفساد ذاته.. قد ساهموا في ترويجه.. حين لم يفعلوا شيئاً من أجل محاربته. ولكن الذي نستطيع بل ما يجب أن نقوله.. إن الوطن ما عاد يملك المقدرة على المزيد من الخسائر في نفسه وفي أبنائه وعلى أولئك الذين وجدوا في أموال الوطن وليمة دسمة.. تكفيهم عناء جهد وعرق العمل المنتج.. أولئك الذين يعيشون على فساد بعض الأجهزة الرسمية.. أولئك الذين أغرقوا مؤسسات الدولة بالأجهزة والمعدات.. وبالعناصر غير المنتجة بقصد التنفيع والاستفادة.. عليهم جميعاً أن يتقوا الله في وطنهم ولنحذرهم جميعاً.. وإذا كان مارق العراق قد سرق أرض الوطن وعرضه فإن هؤلاء يسرقون حلم ومستقبل المواطن.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى