غير مصنف

الإصلاح.. ويوم ميلاد الوطن

[جريدة القبس 14/5/1992]

حدثتني برأيها في دعوات الإصلاح لأمور كثيرة من أمور هذا الوطن.. والتي يرفع رايتها مواطنون لا نشك في إخلاص بعضهم وتفانيه في ذلك.. حدثتني فقالت: أنا لا أستطيع أن أقيل وزيراً.. وأقول أني أصلحت الوزارة.. ولا أن أغير وزارة وأدَّعي أن إنجاز العمل في تحسن.. ولا أستطيع أن أعدل من مسار مسؤول في هذا الوطن.. وأقول بأني قضيت على التسيب واللامسؤولية، هذا إلى جانب أن إقالة الوزير لن تخفف من شراهة الأسعار المتزايدة.. وتغيير الوزارة لن يحسن مناهج أبنائي الرديئة.. وتعديل مسار المسؤول لن يقضي على الفساد والرشاوى الإدارية. لقد ترجمت كلمات تلك السيدة.. وبعفوية تامة.. مكامن الخطأ في محاولات البعض لإصلاح أوضاع الوطن.
إن الكتابة والحديث.. بل وحتى الصراخ.. لا تعني القدرة على قيادة أو خوض أي عملية إصلاح لأي مجتمع كان.. ما لم يصاحبها تقويم للنفس ومحاسبة للأداء الشخصي أولاً.. وبحيث يصبح معها الحديث إلى النفس وإلى الآخرين متجانساً. لا أن يمتلئ البعض بضجيج الرغبة في الإصلاح.. وهم أول معوقاته.. وأكثر المحتاجين له، فأي عملية إصلاح جادة.. لا بد لها كي تكون فاعلة أن تمضي في كل مكان عمل وفي كل أسرة عمل.. وفي نظام إدارة الوطن بكامله.. فلقد جرت العادة في مجتمعنا أن تزدحم محاولات الإصلاح في قاع المجتمع دون أن يمس ذلك القمة.. كأن نتذمر مثلاً من تردي مستوى التحصيل العلمي لدى طلبتنا.. وننادي بإصلاح مفاهيم العملية التربوية.. دون أن يمس ذلك إصلاح القائمين على سياسة التعليم ككل.. أو أن نطالب بمعاقبة المرتشين في إدارات الدولة.. بينما يخضع الوطن بأكمله لعملية رشوة جماعية.
لا أحد ينكر أن الحديث عن إصلاح مسار الوطن والنهوض به.. هو حديث يثير في ظاهره حماس وطاقة العديد من أبنائه.. فلا أفضل من بعد الشهادة في سبيل الوطن.. سوى العمل الجاد والجهد المخلص في سبيل رفعة شأنه. وهنا تختلط الأوراق عند البعض.. فيخلطون بين ما هو صالح للوطن بأكمله وبأفراده.. وبين ما هو صالح ومناسب لأغراضهم الفردية.. وتغيب عنهم في عملة الخلط تلك واجباتهم كأفراد تجاه أي مبادرة يقدمونها بهدف الإصلاح والتوعية، فيبدأون بالحديث عن أخلاق العمل الجاد.. والجهد المخلص.. وحقوق الوطن لغيرهم من الأفراد.. أما هم فتكون قد سقطت عنهم تكاليف الإخلاص ومراعاة الصالح العام.. بعد أن أدوا مهمتهم في الإرشاد والنصح.. فتبوأوا الزعامة.. وفتحوا طريقاً واسعاً للنهوض بالوطن.. لكنهم لا يسلكوه أبداً.. وبدأوا صراعهم.. ونضالهم.. بعيداً جداً عن كيان المواطن العادي ومجاله.
إن إعادة بناء الوطن على أساس أقوى.. وإصلاح شؤونه بما لا يدع مجالاً للتجاوز والمراوغة.. هو واجب الجميع.. من الموظف العادي إلى الوزير.. ومن ربَّة البيت إلى الأكاديمي. ولن يكون البناء متماسكاً دون ثغرات إلا إذا أصبح جهداً على نطاق الوطن كله.. من قمته وإلى قاعه.. وبحيث تصبح تلك الجهود تعبيراً صادقاً عن الرغبة في الحفاظ على المصالح الأساسية لكافة أفراد الوطن.. وترجمة لأفكارهم.. واعترافاً بمطالبهم.. حتى تنال جهود الإصلاح تأييد وحماس الجميع.
لا أحد يشك أن الأوضاع التي يمر بها المواطن حالياً محرجة. كما أن لا أحد ينكر أن قرارات إصلاح شؤون الوطن لا زالت تعوزها الجدية في القول والفعل.. وأن الوضع يتطلب مزيداً من الإخلاص والتفاني.. ويحتاج إلى تدابير طويلة المدى وجذرية تطالنا جميعاً. لا مجال فيها للمساومة بما هو وصالح الوطن.
ونحن نعيد صياغة أفكارنا ومستقبلنا.. بما يتفق وخير الجميع.. علينا أن ندرك جيداً أن أي جهد لإصلاح أوضاع الوطن.. لا بد أن يكون ملتصقاً وتطلعات المواطن واحتياجاته.. فجميعنا أفراداً في هذا الوطن.. قد عانينا من الكلام المنمق الذي يجد طريقه إلى صحفنا ومناهجنا الدراسية.. بل وحتى أشعارنا وغنائنا.. ولكنه أبداً لا يطأ مجال حياتنا. ولعلنا هنا ندرك السبب وراء انصراف المواطن عن أي دعوة للإصلاح.. فلقد امتلأ حتى الشبع من الوعود والعهود.. وفقدت إعلانات الإصلاح لديه مصداقيتها.. لما تعانيه من قصور في الصدق والتطبيق. فعلى أولئك الذين يرون أنهم صادقون وجادون في نية الإصلاح عليهم أن يستبدلوا القول بالفعل.. عليهم أن يكفوا عن محاضراتهم وندوات وندواتهم ودعواتهم.. وأن ينزلوا إلى قاع الوطن إلى حيث يمكن أن يلمس المواطن العادي حقيقة تلك الوعود والأقاويل.. عليهم أن يحققوا تقدماً يشعر به المواطن في شؤونه الحياتية.. فالوعود بمكافحة الغلاء.. لن تدفع للمواطن أقساط السيارة.. ولا تكاليف المعيشة اليومية.. والقول بمحاربة الفساد لن تقطع الطريق على مروجيه.. والدعوة إلى توحيد الصفوف.. لن تثني أولئك الذين يمعنون في بث الفتنة والتفرقة.. والإصرار على استتباب الأمن.. لن يجمع الأسلحة المنتشرة في أرجاء الوطن.. ولن يقطع الجريمة.
سهل جداً أن نتحدث عن رغبتنا في الإصلاح من وراء الأسوار.. وسهل أيضاً أن ننصح ونعظ ونحن نطل من أبراج عاجية على أولئك المعنيين أصلاً بالإصلاح. وقد يقول البعض أن المواطن هو العائق وراء أي عملية جادة للنهوض بالوطن.. فالفساد.. والوصولية.. والتسيب.. واللامبالاة.. والروتين.. كلها أمور يشرف عليها المواطن.. وتتم بمباركته.. وهو أمر يمكن إرجاع أسبابه.. إلى أن المواطن لم يجابه ولم يحظ باقتراح مدروس وجاد للإصلاح.. يكاد أن يلمس له أثراً في مستقبل أبنائه على أقل تقدير.
إن أي عملية إصلاح أو بناء تتطلب هدماً لما أصبح قديماً.. ولم يعد صالحاً.. وعملية الهدم هذه قد تطيح بمصالح لكثير من الأفراد.. لما قد تخلقه من تناقض بين تلك المصالح وصالح الوطن العام. لذلك فإن أي دعوة للإصلاح.. لا بد وأن تصبحها تضحيات تطال كل فئات الوطن.. حتى يمكن تلبية الصالح العام.. فالموظف عليه أن يضحي بساعات العمل القصيرة والمربحة.. والتي يتمتع بها شريحة كبيرة من العاملين هنا.. حتى يضمن الاستقرار المالي الأكيد مستقبلاً.. والمسؤول عليه أن يضحي بوجاهة المنصب وبالمكتب الوثير.. حتى يضمن لأبنائه في المستقبل تنافساً شريفاً في التدرج الوظيفي.. والأكاديمي.. والوزير.. وربة المنزل حتى يضمن كل هؤلاء مستقبلاً واضحاً..
لقد علمنا التاريخ.. وعلمتنا الحياة من بعد خوض التجربة.. أن الشعوب تولد عند منعطفات الحياة العنيفة.. فتبدي رغبة أكثر.. وقدرة أسرع على الإنصات والفهم والاستجابة إذا ما اطلعت على الحقيقة.. ومن هنا علينا أن نكف عن سرد تبريرات تخاذلنا عن إصلاح أمور الوطن.. ولننتهز فرصة المنعطف الذي فاجأنا.. ونعبر خط البداية ونعمد الثاني من أغسطس ليكون يوم ميلاد الوطن.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى