غير مصنف

الجريمة والعقاب

[جريدة القبس 15/12/1992]

فضيحة مكتب الاستثمار الكويتي.. ليست أول الفضائح.. ولن تكون آخرها… فلقد اعتدنا في هذا الوطن وبصورة شاذة وغير طبيعية على تبرير السرقات التي يقوم بها “لصوص كبار” وتقبلها عاجزين.. حتى لقد تفشى داء السرقة والنصب… وخاصة أعقاب الغزو الآثم.. بين من كانوا يعدون (صغاراً)… وأصبح المواطن الأمين الذي لا يسرق ولا يحتال… مواطناً ضعيفاً ومسالماً.. لا يعرف كيف يسير أموره وأحواله كالآخرين.
هذا الأسلوب من التعامل مع الأرض والوطن.. ليس جديداً علينا كمجتمع فسجلاتنا حافلة بالفضائح المالية… والرشاوى.. وحالات الاستهتار بالمال العام.. وإن كان قد استجد شيء من بعد كارثة الوطن.. فهو ازدياد أولئك الذين يرون أن السرقة والتلاعب على القوانين هما الأسلوب الذي – وللأسف- قد ثبت أنه الأسهل والأسرع لتكوين الثروات وتأمين الغد الذي أصبح مظلماً بسبب الكوارث التي أحاطتنا من كل صوب.. لقد أصبح شعار الكثيرين ممن تساهلوا وسلكوا طريق السرقة والارتشاء أصبح شعارهم وتبريرهم لما يقومون به.. أنهم ليسوا وحدهم الذين يسرقون.. وأن ما يسرقونه مقارنة بغيرهم لا يعد أمراً خطيراً.. بل إن بعضهم قد تمادى في تبرير أفعاله بأن (سرقة الحكومة حلال بين)… فأعطى للحكومة بذلك حقاً ليس لها وحدها.. فالأموال التي تهدر.. والسرقات التي تتم علناً ليس حقاً للحكومة وحدها.. وإنما هي حق للشعب كله بمواطنيه الحاليين.. وبأجياله القادمة.. وواجب الحكومة فقط في أن تكون حارساً ورقيباً لمقدرات الشعب هذه وثرواته. وهذا الأسلوب من التبرير ليس خطراً على ثروات الوطن فحسب وإنما هو خطر على أخلاقيات أفراده.. والتي إن ذهبت ذهب المجتمع بأسره.
لقد استبيحت حرمة المال العام… ومنذ التحرير.. بل وإبان الغزو الآثم تحت شعار إعمار الوطن.. وتداولت الصحف أرقاماً خيالية لمناقصات طرحت.. وشركات تم التعاقد معها بأضعاف مضاعفة عن أسعارها الحقيقية.. تقاسمها “الكبار” فيما بينهم.. وينتظر “الصغار” أعمالها ومنجزاتها.
لا يمكن أن نبرىء ساحة أحد من المسؤولين عن فضيحة مكتب الاستثمار الكويتي.. فالذي لم يساهم مساهمة مباشرة في عمليات النصب تلك.. قد ساهم في التستر عليها.. والذي لم يسرق.. شاهد السرقة.. فنحن لا يمكن أن نقتنع بتبرير البعض بأن مكتب الاستثمار قلعة محصنة يصعب اختراقها.. وأن أسرار العمل في أيدي القلة القائمين على إدارته.. وهو عذر إن دلَّ على شيء فإنما يدل على سوء الإدارة الحكومية لمقدرات الوطن ورصيد أجياله القادمة. فقد يصعب علينا كمواطنين عاديين أن نخترق أسرار مكتب الاستثمار.. ولكنه ليس صعباً على جهاز الدولة الإداري.. إن لم يكن من واجبها الإطلاع ومراقبة كيفية إدارة أموال الوطن.
من المفارقات العجيبة والمبكية في آن واحد.. أننا اعتدنا في هذا الوطن على أن يتضاءل العقاب كلما زاد حجم الجريمة.. فسارق البليون دينار يكون احتمال عقابه أقل بكثير من سارق الألف دينار.. هذا على افتراض أن يكون هناك عقاب.. والذي هو واقع الحال في أسلوب المحاسبة المتبع لعقاب من يستبيح حرمة المال العام. بل إنَّ أقصى أنواع العقوبات التي طبقت في حالات تجاوز مشابهة في إرسال المتجاوزين إلى مستشفى الطب النفسي بعد إعداد وترتيب الفرق الملائمة لهم وسط مباني المستشفى المتداعية.. واعتبارهم مرهقين نفسياً… وإلزامهم الراحة.
إن المتعارف عليه والمعمول به في مجتمعات أخرى.. بل وما يقتضيه المنطق… أن كِبَر المنصب وأهميته لا بد وأن يؤديا إلى كِبَر حجم العقاب.. لا العكس.. والذي هو واقع الحال في هذا الوطن. فكِبَر المنصب لا يعني إلا ازدياد الثقة في من تولى ذلك المنصب.. وائتمانه عليه من قبل الآخرين. كما أن حجم العقاب لا بد وأن يكون متفقاً وحجم التجاوز.. لا أن ترتفع الأصوات مطالبة بمعاقبة رئيس اتحاد الجمعيات التعاونية على تجاوزاته.. وتصمت أغلب تلك الأصوات على تجاوزات “اللصوص الكبار” مأخوذة بنفوذهم ومناصبهم.
نحن الآن أمام أزمة قانون وليس أزمة اختلاسات وتجاوزات.. وفضيحة مكتب الاستثمار تضعنا أمام تحد حقيقي عن مدى التزامنا باتباع القوانين التي نصنعها.. بل وتصنع أول ما تصنع المنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية ليقولوا قولهم في تجاوزات مكتب الاستثمار.. والتي ترقى إلى أكبر الكبائر في ديننا الحنيف. فنحن إذاً أمام أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة مالية.. تتطلب من رجال الدين بالدرجة الأولى التصدي لها.. حتى لا تصبح حجة عليهم في دعواتهم الإسلامية.. وحتى لا تصبح حجة لمن لديه نية التعدي على حرمة المال العام وسرقته.
ونحن كذلك أمام أزمة إدارة حكومية.. تعيد للمواطن ثقته في مقدرة الحكومة على معالجة ظاهرة اختراق القوانين من قبل المتنفذين في الدولة.. وحتى لا يمتد عدم التقيد بالقانون واحترامه إلى باقي قطاعات الوطن.
ونحن أيضاً أمام امتحان عسير لمجلس الأمة.. ومدى حقه في ممارسة واجبه الدستوري في الرقابة والمحاسبة.. حتى لا تكون سيادة الأمة ممثلة بالمجلس منقوصة وعاجزة.
وأخيراً.. فنحن أمام تحد كبير يمس كياننا كدولة لها قوانينها السارية وأنظمتها الفاعلة.. فلقد سقط حق العرب في الأندلس فقط عندما سقط القانون أمام سلطة المتنفذين.. فعمَّ الفساد. وعجز العقاب أمام القوة.. وسقطت غرناطة فانحسرت أمة.. وضاعت حضارة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى