
أبشع ما في كارثة الاعتداء على المال العام أن بعض تفاصيلها حدثت أثناء أحرج مرحلة مرت بها الكويت. حيث اختزل أولئك المعتدون الوطن والأرض والتاريخ في حفنة أموال أصبحت لديهم أغلى وأثمن من تراب الوطن. أما الجانب الآخر من بشاعة تلك القضية فهو في كونها قد اختزلت الفساد بشكل عام ليصبح تعدياً على المال العام وحسب، وجعلت من جريمة السرقة جريمة نسبية تتفاوت خطورتها وحجمها بحسب مبلغ الأموال المسروقة وقيمتها.
إن ما يضاعف من بشاعة اختلاسات الناقلات والاستثمارات والدفاع أنها أربكت أبجديات أخلاقياتنا، وعبثت بمبادئ الجيل الحاضر، خصوصاً ما يتعلق منها بالرشوة والفساد الإداري والمالي والتلاعب بالقوانين لاستصدار رخص (شرعية) لبعض الدخول المالية، أو لتبرير صفقات (مالية أو تجارية) مشبوهة!! لذا فإن (سرقة العصر) أو غيرها من السرقات (الهوامير) تتشابه في آثارها وأبعادها الأخلاقية بآثار استمرار نظام سياسي كنظام صدام حسين وأثر ذلك (الصمود) في مفاهيمنا العامة لمقومات الاستقرار والاستمرار لأي نظام سياسي!!
إن أكبر إساءة وجهها النظام الحاكم في بغداد للثقافة السياسية والديمقراطية في عالمنا العربي في شكل عام أنه جعل من العنف والديكتاتورية والإرهاب مسائل نسبية!! فأصبح هنالك عنف دموي وآخر بلا دماء. وديكتاورية بزوار فجر وسجون رأي، وأخرى بحرية زائفة وسجون رأي مقنعة ومموهة وبقوانين مستترة لمصادرة الرأي والحريات.
لقد تراجع ظهور نظام كنظام صدام حسين واستمراره مع كل ما جلب لشعبه وللأمة العربية من كوارث ومآس، نقول تراجع بطموحاتنا السياسية كمجتمعات وشعوب عربية لتصبح كطموحات القطط الأليفة، أي أن ننعم بمأوى دافئ وبلقمة نتقاسمها مع أبنائنا، وأصبحت معها مقومات ومقاييس النظام السياسي الناجح مجرد توفير الأكل والمسكن، ولا يهم بعد ذلك إن كنا نمارس شيئاً من الحرية أو نساهم فكرياً بلا قيود أو نعبر بلا خوف عن متطلباتنا وآرائنا!! وهو بكل أسف واقع أصبح واضحاً وملموساً لدى الكثير من مواطني العالم العربي في شكل عام!! واقع شل الحركة والتي هي معول التغيير والتطوير لدى غالبية الشعوب العربية، بما فيها تلك التي طالما عبرت عن صحوة ويقظة الشعوب ورسمت معاييرها نحو التحول والتغيير!!
الفساد إذاً يحمل مخاطر أخرى بخلاف مخاطره المباشرة. فهو يخل بالنظام القائم وبأعراف الخطأ والصواب. وتلك بالتحديد تشكل الجانب الآخر من كوارث الفساد، سواء أكان اقتصادياً أم سياسياً أم إدارياً!! إذاً فإن أكثر ما يقلقنا في كارثة سرقة العصر في الكويت ليس المبالغ التي نهبت ولا الأساليب التي تم من خلالها التحايل على الدولة والقانون ولا الشخوص والأسماء التي جاء ذكرها في قضايا إنتهاك المال العام، وإنما تكمن آثارها في ذلك الخلل الكبير الذي خلفته سرقة العصر في قلوب وعقول الكثيرين، خصوصاً صغار السن وحديثي العمل والتخرج!! لم نعد نعلم كيف نعيد بناء ثقتهم في الدولة ومؤسساتها ومسؤوليها، ولم نعد ندري كيف ننقل إليها إرثنا وإرث الأولين من أمانة وصدق وتفان في خدمة هذه الأرض وأهلها!! فالسارق لا يعاقب والسرقة ترفع من شأن صاحبها والأموال في متناول كل عديم ذمة، والقوانين مؤجلة ومعطلة لخدمة أولئك الذين انتهكوها وعبثوا بها!!
وبالفعل فقد سادت الرشوة والتحايل في سبيل الكسب السريع وانتشرت بصورة مؤسفة وغير مألوفة عمليات الاحتيال والنصب!! غير أن كل ذلك لم يصل إلى مستوى سرقة العصر وتوابعها من فساد واستغلال، فأصبحت بفعلها قضايا صغيرة وتجاوزات نسبية وتحايلاً يدل على الفطنة والذكاء!! فاختلط في أذهان جيل الشباب الصح بالخطأ، والمسؤولية بالاستغلال!! وأصبح الفساد محصوراً في الاستيلاء على المال العام بغير وجه حق!! ولم يعد فساداً إهمالنا للعمل ولا الإساءة للآخرين.
في الفساد لا يجب أن تسيطر النسبية، فلا يوجد فساد صغير وهامشي وآخر كبير وجوهري!! فصدام حسين يشبه في سلوكه قادة عرباً كثيرين، لم تأت الفرصة لكشفهم كما كشفته حرب االخليج!! وانتهاك المال العام جريمة لا يلغيها حجم المبالغ، ولا مصدرها!!
