
التداعيات الأخيرة في قضية اختلاسات ناقلات النفط كانت مؤسفة ومحبطة، ليس بسبب إلغاء القضية، نظراً لما صاحبها من أخطاء إجرائية، وإنما بسبب ذلك التسابق الإعلامي من قبل بعض أعضاء مجلس الأمة للفوز بأعنف وأقوى تصريح للصحافة، يحققون من خلاله انتصاراً برلمانياً شكلياً!
فأغلب الذين أدلوا بتصريحات (ثورية) يمارسون نوعاً أو أكثر من المخالفات، التي قد لا تكون بحجم اختلاسات الناقلات، لكنها تبقى بمقاييس الفساد وتعريفاته، مخالفات تحمل انتهاكاً للصالح العام!
إن أبرز السلبيات التي أفرزتها قضية اختلاسات الناقلات هو أن الفساد أصبح مسألة نسبية لدى البعض، وأن الإنسان الفاسد هو الذي يحصل على المال دون وجه حق، بمعنى أن الفساد هنا قد اقترن بالتجاوزات المالية فقط واقتصر عليها، وذلك أمر يحوي من الخطورة الشيء الكثير، لأنه يحمل في طياته استثناء للوجوه الأخرى من الفساد والتي لا يقل أثرها عن أثر انتهاكات الأموال العامة! فالواسطة فساد، والعبث بأولويات البلد فساد، واستغلال الدين لتبرير المواقف والأهداف فساد، والتسيب الوظيفي فساد، والخدعة والتحايل في التنافس التجاري لكسب الصفقات والمناقصات أيضاً فساد.
نحن لا نقول إن قضية اختلاسات الناقلات قضية ثانوية، وإنما نقول إن دائرة المتهمين فيها تتسع لتشمل أطرافاً أخرى بالإضافة إلى تلك التي سمتها المحكمة! فالقضية بأكملها لم تكن لتحدث لو أن مجلس الأمة كان ممارساً حقاً لدوره الرقابي! والقضية لم تكن لتسقط لو كان للمجلس دور آخر غير تحريم الغناء، وحظر الحفلات، ومنع الشيشة وفصل طلاب الجامعة عن طالباتها!
لقد أكدت ردود فعل بعض أعضاء مجلس الأمة المتشنجة إثر سقوط قضية الناقلات، أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى شماعة ليعلقوا عليها إخفاقاتهم في المجلس وعجزهم عن ترجمة وعودهم الإصلاحية لناخبيهم، فغدت قضية الناقلات بمثابة الساحة التي مارس فيها بعض أقطاب البرلمان فروسيتهم وغزواتهم!
لم يكن سقوط القضية مفاجأة، على الأقل للبعض، بل كان أمراً متوقعاً كثيراً ما أشار إليه بعض أعضاء مجلس الأمة وبعض الكتاب، لذا فإن دور مجلس الأمة الآن إن كان حقاً جاداً في ممارسة دوره الرقابي وواجبه في حفظ وصيانة الحقوق والمصالح العامة، أن يغلق الباب في وجه أي احتمالات مستقبلية للعبث بالمال العام، وأن يشرع من القوانين والضوابط ما يحول دون كل احتمالات الاستغلال أو التحايل على مقدرات البلد وحقوق المواطنين!
وإن كنا نشك كثيراً في أن يتحمل مجلس الأمة مسؤوليات كهذه، لأن رقابة جادة بهذه الصورة ستشكل عائقاً أمام مصالح أقطاب ورموز داخل البرلمان وتحت قبته!
ويكفينا شاهداً هنا ما خرج من تفاصيل مؤسفة تتعلق بتورط بعض البرلمانيين في صفقات مغرية مع بعض الشركات المستثمرة في حقولنا الشمالية، على الرغم من (صراخ) هؤلاء واعتراضهم على المشاركة الأجنبية في استثمار حقول الشمال!
لقد سيطر الفساد بعد الغزو بصورة مخيفة ومقلقة، فأصبح ظاهرة تستدعي تحركاً حذراً ومدروساً! والفساد قضية لا يمكن اختزالها في فرد وإلا نكون قد تجاهلنا حجمها ومخاطرها! ونحن قطعاً لن نستطيع مجابهة الفساد بأيدينا وحدها ولا بأقلامنا فقط، وإنما بقوانيننا الفاعلة التي لا تستثني اسماً ولا منصباً! تلك هي المهمة الأولى التي نأمل أن يتحملها مجلس الأمة وأعضاؤه، قبل أن يسقطوا بفعل التقادم الزمني، بعد أن سقطت قضية القضايا بفعل التقادم القانوني!
