
هل سيتم التحقيق مع الوزير السابق “علي الخليفة” أم لا!!.. وهل سيُنفذ قرار المنع من السفر أم لا!! كان ذلك موجز الخبر الذي تناقلته الصحف في الأسبوعين الماضيين.. بعضها علناً.. والبعض الآخر على استحياء.. وسط تكهنات وأقاويل كثيرة عن صحة الخبر.. تناقلتها أوساط المجتمع على اختلافها في الفترة السابقة.
الإثارة التي صاحبت منع “الوزير السابق” من السفر جعلت من قضايا الفساد المستشرية في جسد الوطن.. وعمليات النصب والسرقة المستمرة منذ أن أنعم الله على هذا الوطن بالثروة.. جعلتها تتراجع وتتقلّص في شخص فرد.. كأنما أوامر منعه من السفر.. والتحقيق معه.. هي في قمة سلّم الحلول نحو إصلاح الخلل الإداري في الوطن بأكمله.
قد يكون هناك دافع لهذا الحماس لدى البعض.. كون “الوزير” من الفئة المعفية والمعصومة من العقاب.. وكما عهدنا دائماً.. إلا أن الإثارة الإعلامية لهذه القضية وبهذه الصورة.. تستدعي وقفة وإعادة نظر جديَّة في مفهومنا كمواطنين.. للأسلوب الأمثل في سبيل الحد من تكرار تجاوزات لم تكن أولها قضية الاستثمارات ولا الناقلات.. ولن تكون آخرها.. طالما كان ذلك هو منهجنا في التعامل معها.
إن المطالبة.. والتأكيد على ضرورة عقاب أفراد جاءوا في مقدمة التجاوزات.. وإصرارنا على إخضاعهم للمحاكمة والمساءلة.. تحمل بالتأكيد.. تنازلاً من جانبنا كمواطنين عن ضرورة شمولية الإصلاح.. فعملية الفصل بين أي تجاوز قائم.. وبين الخلل الدائم في جهاز الدولة بوجه عام.. هو بلا شك السبب الذي أدَّى إلى تراكم كل تلك الأخطاء والتي أدت بعلي الخليفة.. أو غيره إلى استغلالها.
بل ولا نحيد عن الصواب.. إذا ما قلنا إن العقوبات الفردية.. كانت دوماً الأسلوب الناجح للدولة في تهدئة المناخ العام.. والتذمّر.. لدى انفجار قضايا فساد.. أو تجاوزات مشابهة كالقضية القائمة الآن.
والأمثلة على ذلك.. هي أكثر من أن تُحصى.. فلقد تمَّ تقديم القرابين من قبل للتستُّر على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى كارثة المناخ الاقتصادية.. كما قد أُطفئ حماس مجلس الأمة.. حين دعا إلى محاكمة بعض المخالفين في الدولة.. وذلك بالتنازل للمجلس من قبل الحكومة عن بعض الأسماء والتي تمت بالفعل مساءلتهم من قبل الأعضاء آنذاك.. وقبل أن يُحل المجلس.. خشية تجاوز الخطوط الحمراء.
نحن وبلا شك مجتمع قد نخر الفساد في أعماقه.. وما نجنيه الآن من أخطاء وتجاوزات.. سواء كانت تعدياً على المال العام. أو الحق العام. أو الحرية العامة.. أو على أي من مقومات الوطن.. وحقوق المواطن.. ما هي إلا تأكيد على أن الحلول التي وضعناها دوماً لم تطرق أبداً لب أي من المشكلات والقضايا التي جابهتنا.
فقضيتنا الآن ليست مع علي الخليفة.. كما ولم تكن أبداً مع فرد بصفته الشخصية.. والتراجع بالقضايا التي تهم المجتمع بأكمله.. وإحالتها إلى تراشق بالاتهامات بين أفراد فئة في المجتمع.. هو الذي أحال تلك القضايا إلى جرائم وجنح شخصية يتم إقفالها بمجرد توجيه العقوبة إلى شخص أو فرد.
لقد تمكّن الفساد من هذا الوطن.. إلى حد أن الانطباع السائد الآن.. أصبح يرى أن الخطر لا يكمن في أسماء أو وجوه لا يخفى على أي فرد من المجتمع نفوذهم الذي يمكنهم من التجاوز والتلاعب.. ولكن الخطر الحقيقي يكمن في تلك الأسماء التي يُفترض أن لا يشك المجتمع في نزاهتها. ولا يتساءل عن أمانتها في تداول شؤون الوطن أياً كان طابعها. وهنا تكمن الكارثة.. فهذا الانطباع إن كان يعني شيئاً. فهو بالتأكيد يعني أن عدم الثقة أصبح هو القاعدة، وأن التجاوز والتلاعب هو الأساس.. بدلاً من أن يكون العكس هو الصحيح.
لا نعني أبداً بما تقدّم إعفاء أحد كائناً من كان من مسؤولية تجاوز ما صدر منه بحق الوطن.. ولا يحمل ما سبق من حديث في إطاره دفاعاً عن ساحة أحد.. كما ولا يعني أن الخطأ في فردية العقاب.. تعني إيقافه أو الحد منه.. ولكن أردنا القول فقط أن الحلول لا يمكن أن تكون شافية طالما جاء العقاب فردياً.. وسطحياً.. لا يمس مكامن المشكلة ولا جذورها.
الإصلاح الشامل لمكامن الخطأ.. سيعني بالتأكيد مواجهة مباشرة مع جذور قضايا الفساد.. والتي هي بالتأكيد.. ليست في التعدي على المال العام وحسب.. فالأداء السيئ في العمل.. هو فساد.. والتعليم المنقوص هو فساد.. والواسطة فساد.. والتطبيب السيء فساد.. وكل إهمال متعمّد في الأداء هو بلا شك فساد.. يعود أثره بالدرجة الأولى على الوطن والمجتمع بأكمله فإذا كانت قضايا التعدي على المال العام.. قد برزت كمثال على الفساد.. والتجاوزات في هذا الوطن.. فذلك لأن آثارها مباشرة وفورية.. يلمسها المواطن.. من خلال التقارير من حوله.. ويشعر بها في حينها.. من خلال التذمر من نقص في الميزانية وغيره من مشاكل الدولة المالية، بينما قضايا الفساد الأخرى تراكمية.. تبدو يسيرة بجانب سرقة المليارات.. بينما في واقع الأمر أن قضايا الفساد اليسيرة تلك.. هي التي مهدت لسرقة المليارات.. وهي التي تفتح مجالاً واسعاً لتدمير أكيد لبنية المجتمع والوطن.
حين روَّج الرئيس السوفيتي الأخير “غورباتشوف” لبرنامجه الإصلاحي.. كان أكثر ما يعنيه قضية من أين يبدأ الإصلاح. ومن أين تبدأ محاربة الفساد.. وبحيث تضمن كتابه “البروسترويكا” سرداً مفصلاً عن دور كل الطبقات وكل المهن في المجتمع.. عن دورها جميعاً في محاربة الفساد.. ومحاولة الإصلاح.. وعلى الرغم من تركيزه على قمة الهرم المجتمعي إلا أنه لم يجعله أساس محاربة الفساد.. دون أن يشمل ذلك كل نواحي المجتمع.. بدءاً بالأسرة.. وانتهاء برئيس الدولة.
ونعود ثانية إلى حيث بدأنا.. فنقول إننا لا نريد أن نعفي أحد من مسؤولية الفساد.. ولا نملك أن نُبرئ ساحة أحد أساء للوطن.. وللمواطن.. ولكننا نرفض أن يكون أسلوبنا في القضاء على الفساد رهين قضية واحدة وفرد واحد.. حتى لا تتراجع مطالبنا في الحد من الفساد والاستهتار بمال وأمن ومستقبل الوطن.. وتقتصر طموحاتنا في التصدي لقضايا الفساد.. على منع “علي الخليفة” من السفر!!!
