
قد لا ينبغي علينا أن نعزل فضيحة وزارة الدفاع المالية والتي نشرت تفاصيلها جريدة “الطليعة” عن سواها من فضائح مالية كثيرة.. أصبحت سمة وصفة غالبة على مؤسساتنا في هذا الوطن خاصة في أعقاب غزو النظام العراقي..
فالمتابع لتقرير ديوان المحاسبة… والذي تنشره “القبس” على فترات سيجد أن القاعدة في كل التقارير التي قدمها الديوان هي التلاعب بالميزانية وإهدار المال المخصص للوزارة أو الهيئة.. والمراوغة والتحايل على بنود الإنفاق المدونة في خطة أية وزارة.. نقول.. إنه وعلى الرغم من أن إهدار المال العام والتلاعب بمقدرات الشعب والأمة.. والفساد.. قد أصبحت أساس التعامل مع الأرض والوطن.. إلا أن ذلك لم يمنع إحساساً بالغصة والحزن أصاب الجميع في هذا الوطن.. مع تصاعد رائحة العفن والفساد من قلب واجهة الوطن الدفاعية..
قد لا تمس فضائح وزارة الدفاع جانبها المتمثل بالجند البواسل.. وحماة الوطن.. وإن كانت وزارة الدفاع هي دائماً رمز للأمن والأمان.. والدفاع والزود عن المواطن والوطن.. بجهازها الكامل.. إدارياً وفنياً كان أم عسكرياً ودفاعياً.. فبالنسبة للمواطن.. تأتي وزارة الدفاع بجسمها الكامل.. لتشكل رمزاً لقوة وثبات الوطن..
ولقد انعكس ذلك الإحساس بالدور السامي لوزارة الدفاع.. على تساهل المواطن تجاه ميزانيات الدفاع.. وتكلفة التسلح والتي كانت في أغلبها لا تخلو من خيالية وبعد عن الواقع والحقيقة!!
وكما ذكرنا.. فإن قضية التجاوزات في وزارة الدفاع.. هي واحدة من سرب طويل من التجاوزات والسرقات.. وسيبقى السرب ويستمر في امتداده واتساعه.. ما لم نبدأ فوراً بمعالجة حازمة للفساد كقضية، لا للأفراد كمفسدين، وللسرقة كجريمة يعاقب عليها القانون والدين، لا للسارقين كخارجين عن القانون ومخالفين له.
حين يكون وقع الصدمة.. والحزن والجرح واليأس عميقاً وغزيراً.. يلجأ المرء منا أحياناً إلى فلسفة الحقيقة والواقع.. ففي الفلسفة هنالك دائماً موقع واضح للحق وللخير وللصواب.. وهي مسألة غالباً ما تكون شاقة وعسيرة على أرض الواقع.. ومن هنا كان الفلاسفة أكثر الناس قدرة على رسم الفضيلة.. وتحديد أطر الأخلاق عموماً.. وهو ما دفع “نيتشه” الفيلسوف الحكيم حين ضاق صدره بما حوله من قيم وأخلاق سائدة إلى القول إنه “لكي يتسنى لنا أن نتأمل أخلاقنا ونقارنها بنظم أخلاقية أخرى.. سابقة أو تالية.. علينا أن نفعل ما يفعله السائح الذي يريد أن يعرف مدى ارتفاع أبراج مدينة.. فهو عندئذ يغادر المدينة”.
ونحن في هذا الوطن.. علينا أن نخرج خارج أسوار الشخوص والأفراد.. لنتخذ موقفاً معالجاً للفساد.. قبل أن نحارب أفراده وشخوصه!! وإلا تحولت كل معاركنا ضد الفساد إلى معارك وقتية، وصراعات فردية.. يكون الخاسر فيها جميع الأطراف!
إن الذين سرقوا وزارة الدفاع.. ما كان لهم أن يقترفوا ذلك.. لو أن الردع والعقاب كانا نصيب الخارجين على القانون من قبل.. كما سيسرق آخرون من بعدهم وسيتجاوزون القانون.. لأن القانون نفسه لم يفرض احترامه.. ولم يطبق بنوده ولوائحه.. لقد سرق هؤلاء.. لا لذكاء فيهم.. وإنما لأن الحقيقة والأخلاق غائبة في وطننا!! أو كما حدثنا “زاردشت” على لسان “نيتشه”: “إذا كنت عاشقاً للحقيقة.. فلا يغرنك أصحاب العقول الرعناء المتصلبة.. وما كانت الحقيقة لتستند يوماً إلى ذراع أحد هؤلاء المتصلبين”.
