الأرشيف

فساد الرؤية

[جريدة القبس 8/4/1996]

“.. وغني عن البيان أن الاختلاط بين الشباب من شأنه استدراجه إلى الاستهتار والضياع، الأمر الذي يفرض على المجتمع ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة تطمئن الأسر على مستقبل أبنائها فتياناً وفتيات.. وتحفظ في الوقت ذاته للجامعة وما إليها مكانتها ووقارها العلمي”. (انتهى).
تلك فقرة واحدة من مشروع القانون المقدم من خمسة نواب لمنع الاختلاط في الجامعة والتعليم التطبيقي والتعليم الخاص!! وهي لا شك مذكرة تتحدث عن ضحالة في التفكير.. وقصر مدى في الرؤية لمقدمي تلك المذكرة.. التي قد لا يخفى على المواطن أنها جزء من حملاتهم الانتخابية.. في سبيل خوض معركة الانتخابات المقبلة!
وقد يكون من حق هؤلاء النواب أن نأخذ محاربتهم للفساد على محمل الجد حتى وإن كان الفساد -كما يرونه- اختلاطاً وتعليماً مشتركاً وحسب!! وأن نحترم ونقدر رغبتهم في التصدي للفساد وحماية المجتمع والأجيال من الانحراف والرذيلة!!
قد يكون من حقهم ذلك لو أن مذكرتهم قد حوت شيئاً من جهود حقيقية للحفاظ على مكانة الجامعة ووقارها العلمي!! وهو ما أصروا على كونه هدفاً من وراء محاربتهم للاختلاط! غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث ولم تَحْوِ المذكرة، الحريصة على مستقبل الجامعة ومكانتها العلمية ولم تتعرض لأي من منابع الفساد الحقيقية في الجامعة، التي لم يروا منها سوى جانب التعليم المشترك!
المؤسف هنا، أن رؤية أعضاء اللجنة “الضيقة”.. لم ترق إلى فساد الجامعة الحقيقي!! والذي هو حقاً في صميم وقار الجامعة ومكانتها العلمية، التي يتشدق بها هؤلاء ويدعون أنهم حريصون عليه!! هنالك فساد أكاديمي مؤسف أدى إلى تراجع كبير وخطير في مستوى الأداء والتعليم في الجامعة!! وهنالك فساد إداري صارخ.. أدى إلى طغيان الجانب المادي على الجانب الثقافي والعلمي، وذلك من خلال مناقصات الدورات التعليمية والتدريبية التي تشرف عليها الجامعة!! حيث تسيطر “مافيا” أكاديمية على إدارة تلك الدورات وفرض شروطها الخالية من أدنى مقاييس الكفاءة العلمية والأكاديمية!! وهنالك خلل مالي بشع تمثل في الإسراف العشوائي على مباني الجامعة.. الذي أدى إلى تشييد كافتيريا تضاهي فنادق الدرجة الأولى.. في الوقت الذي تتحجج فيه الإدارة الجامعية عن الاستعانة بالكفاءات التعليمية وذلك لشح في الموارد المالية والميزانية!! إذا أراد أعضاء اللجنة ورغبوا حقاً في أن يحفظوا للجامعة مكانتها ووقارها العلمي، فإن أمامهم طريقاً طويلاً مليئاً بالفساد.. الذي ينتظر من يقومه!! أما أن يتقلص الخلل في الجامعة ليصبح قصراً على تعليم مشترك واختلاط، فإن ذلك وبكل تأكيد دليل على قصر في الرؤية أصاب هؤلاء الخمسة.. وجهل بمصلحة الوطن والمواطن وعدم صدق في النوايا الحقيقية!
لا شك إن فساد الرؤية.. هو أكثر مصادر الفساد وبالاً!! ومقدمو المشروع هم لا شك قد أخفقوا في رؤاهم!! إلى درجة أصبح معها منع الاختلاط مدخلاً نحو بناء صرح علمي رائد ومتطور!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى