الأرشيف

كونا لسان الحكومة أم ذراعها؟!

[جريدة القبس 15/2/1999]

مع صدور القرار 70 لعام 1976، خطت الكويت خطوة ناضجة في مسيرة العمل الإعلامي الحديث، حيث نص المرسوم الأميري يومها على إنشاء وكالة الأنباء الكويتية، وذلك بغرض تجميع الأخبار والمواد الإخبارية لعرض الحقائق وتوزيع هذه المواد على مؤسسات الأخبار والأفراد، لتزويدها بأكبر قدر من الخدمات الإخبارية الكاملة غير المتحيزة لمجابهة الدعايات المضللة، ولسد الفراغ الموجود في ميدان استقاء الأخبار في المنطقة ونقلها إلى الرأي العام العالمي بصدق ونزاهة.
ولكي تقوم الوكالة بأداء مهمتها على أسس قوية وسليمة، ولأن تمويلها بحاجة إلى مصادر سخية لمجابهة متطلبات الإنشاء والتعمير، ولإمكان توفير الفنيين في مختلف ميادين العمل في الوكالة، وتوفير الاستقلال والمرونة، فقد رئي أن تكون الوكالة مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية.
كان ذلك بعض ما أورده المرسوم الأميري الصادر بشأن إنشاء وكالة الأنباء الكويتية، وانطلاقاً من تلك الخصوصية التي يفترض أن تتمتع بها وكالة الأنباء الكويتية، فإن نظام العمل وأسلوب التعيين في هذه المؤسسة كانا دائماً محط إعجاب وثناء من الكثير سواء أكانوا أفراداً أم مؤسسات وهيئات.
ونظراً لما تفرضه طبيعة العمل في “كونا” وتشترطه من حد معقول وأدنى من التخصص في مجال العمل الإعلامي، فقد زخرت هذه المؤسسة بكفاءات وكوادر في ذلك المجال استطاعت أن تقفز بهذه المؤسسة إلى الامام.
لقد استطاعت “كونا” وبفضل تلك الخصوصية أن تنأى بجهازها العامل عن حمى المساومات والمقايضات التي تشهدها مؤسسات الوطن بشكل عام! حيث يخضع التعيين في تلك المؤسسات لشروط لا علاقة لها بالمهنية أو بالتخصص أو بالكفاءة، خاصة في ما يتعلق بالمناصب الإدارية، والتي أصبحت الحكومة تطرحها لكسب رضا بعض التحالفات الدينية على وجه الخصوص، مما جعل المناصب الوزارية مناصفة بين هؤلاء وبين أقطاب محسوبة على الحكومة.
اليوم تقف وكالة الأنباء الكويتية في مواجهة حرجة مع ذلك النهج المتردي في توزيع المهام وتحديد المسؤوليات، حيث تنوي إدارة “كونا” إسناد منصب نائب المدير العام، والذي أصبح شاغراً، إلى أحد المحسوبين على أحد التيارات الدينية، وقد لا يشوب الأمر شائبة هنا لو أن شيئاً من الموضوعية قد صاحب ذلك الاختيار، ولو أن المرشح الجديد يتحلى بقدر من التميز والمهنية التي تبرر ذلك الاختيار “المدروس”! بخلاف انتمائه الفكري لأحد تيارات الإسلام السياسي. المرشح المؤهل ليشغل منصب نائب مدير “كونا” قد تم ترشيحه من قبل أحد الكبار جداً في الوكالة، والذي يفترض أن يكون ليبرالي النزعة والقلب، مما يؤكد على أن الترشيح لم يخضع لمعايير الاختيار المنطقية والمدروسة، وإنما تحكمه معايير الصفقات السياسية التي طالما لعبتها الحكومة مع التيارات الدينية من قبل، فالمرشح لهذا المنصب الفني جداً، لا يتحلى بأي قدر من الصفات المهنية المطلوبة، ولا يتميز بأقدمية، ولا هو من هيئة التحرير، وكل ما هنالك أنه سلفي النكهة لا تتعدى تخصصاته الإدارة المالية التي كان يعمل فيها.
لقد تضاعفت أهمية آلة الإعلام في عصر الانفتاح المعلوماتي الذي نشهده، وأصبحت الموضوعية في العمل الإعلامي شرطاً أساسياً للمصداقية، بعد أن أصبحت قنوات انتقال المعلومة والخبر مفتوحة ومتصلة، والموضوعية تتطلب من “كونا”، كشرط أساسي، أن لا تكون طرفاً في أي من الصفقات السياسية التي تلعبها الحكومة، أو كما عبر رئيس مجلس إدارتها السابق برجس البرجس قائلاً في أولى سنوات “كونا”: “إننا سعداء لأن كونا لا تعتبر ذراع الحكومة، فنحن موضوعيون ونعكس كافة الجوانب”.
فهل تنتشل “كونا” نفسها من حلبة الصفقات السرية، أم تنهار تحت وطأة الفساد العام، فتصبح ذراع الحكومة ولسانها كما إسلاميي السلف والإصلاح؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى