
في بداية عملي في التدريس في جامعة الكويت كنت أشعر بتعاطف مع بعض الطلبة العاملين، وأحياناً كنت أحس بإعجاب تجاه شباب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة ممن يعملون ويتعلمون في الوقت نفسه! إلى أن اتضحت الصورة لي، وتبين أن هؤلاء “الجادين” في التحصيل العلمي والوظيفي إنما غايتهم الأولى هي في تحصيل سنوات عمل تمكنهم في ما بعد من تقاعد يمنحهم “الحق” قانونياً في التمتع براتب من دون جهد حقيقي وهم لا يزالون شباباً في قمة قدرتهم على العمل.
التقاعد وفقاً لتفسيره اللغوي والفني يعني حق الفرد في راتب من الدولة حينما يصل إلى مرحلة عمرية يصبح معها غير مؤهل للعمل؛ إما لكبر السن أو قد يكون لطارئ أو ظرف صحي، وقد كانت ألمانيا أول من أدخل نظام التقاعد عام 1880، وهو النظام الذي أصبح معمولاً به في كل دول العالم تقريباً.
ولأن كل ما في الكويت “غير”، ولأننا وكما تتغنى أهازيجنا وأوبريتاتنا الوطنية “غير” كذلك، جاء نظامنا التقاعدي ليكون “غير” هو الآخر، حيث استنزفته ومنذ العمل به في 1/1/1955، وقبل أن يصدر أول قانون متكامل للتأمينات الاجتماعية في 1/10/1976، نقول استنزفته المؤسسات السياسية والطبية والاقتصادية، كل بحسب حاجته ورغبته. فأصبح التلاعب بأسس ومسوغات التقاعد المبكر مهنة لبعض الأطباء الذين ساهموا في تشخيص آلاف حالات التقاعد الطبي التي لا ينطبق على أكثر من نصفها شروط مثل هذا التقاعد الاستثنائي، ثم دخلت على خط التقاعد المؤسسة التشريعية بكل ثقلها لتمنح ومن دون حق لآلاف من الناخبين المقربين حقهم في تقاعد بمسميات مختلفة بعضها مضحك! واليوم يقف بعض النواب في مؤسسة البلد التشريعية (مجلس الأمة) بكل ثقلهم لإقرار قانون التقاعد المبكر على الرغم من كل ما أثاره هذا المقترح من جدل ورفض، ومع كل الأرقام المخيفة التي تتحدث عن انخفاض معدل عائد استثمارات مؤسسة التأمينات خلال ثلاثين عاماً إلى نحو 5 ٪ في حين تبلغ عوائد استثمارات هيئة شؤون القصر 11 ٪.
ليست لدي دراية على الإطلاق بلغة الأرقام، لكن لغة المنطق في مواجهة حجة التقاعد المبكر قد لا تقل عن وقع لغة الأرقام الدقيقة! فهنالك قوتان تتجاذبان مشروع التقاعد المبكر؛ قوة مصدرها بعض نواب المؤسسة التشريعية (مجلس الأمة)، الذي يفتقد أغلبهم مقومات صناعة التشريع ولا يرى هؤلاء في القانون سوى قوة جذب هائلة لأكبر شريحة من الناخبين، وقوة ثانية من المواطنين العاطلين في أدائهم والمقصّرين في عملهم، ممن تثيرهم كل قوانين الانتظام والالتزام في العمل ويريدون اختصار الجهد ما أمكن، والاستحواذ على العائد بأقل قدر من العطاء والعمل! ومن بين هاتين القوتين تقف مؤسسة التأمينات الاجتماعية عاجزة تقريباً عن التوفيق بين هاتين القوتين وبين المصلحة العامة، ولأسباب يتعلق معظمها بغياب الشفافية في بيانات المؤسسة، وتدني أدائها بشكل ملحوظ، مما جعلها عرضة لانتهاكات ضعاف النفوس، وما أكثرهم! ناهيك عن طروحات سياسة إحلال الدماء الجديدة كمبرر لتقاعد «قدماء» الموظفين، وهي الحجة التي غالباً ما يراد بها باطل وليس صالحاً!
التقاعد المبكر، وبخلاف حسبة “التأمينات” وغيرها، هو دعوة لهدم ما تبقى بحوزتنا من قيم العمل التي تشهد أساساً تدهوراً مؤسفاً من دون تقاعد مبكر، وهي باختصار مشروع لمضاعفة أعداد رواد المولات بشكل هائل، وبدلاً من رصد عشرة آلاف شاب وشابة في قمة سن العطاء والعمل يتناولون الإفطار في المولات، سيتضاعف العدد ولربما إلى خمسين ألفاً. وما عليك عزيزي القارئ والمسئول والنائب إلا أن تحسب تكلفة مثل هذا التسيب والكسل على مستقبل جيل بأكمله وعلى ما تبقى لدينا!
